تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
من القُرَشيّين فقالوا : يا أبا صَفْوان ، إنّ أمير المؤمنين الرشيد كَانَ اليوم ببطن مُرٍّ ، وهو يصبحنا فهل لك أن نمضي فنلقاه بفخ أو على العقبة فنسأله ، فمضيت معهم . فتلقّيناه حين صلَّى الفجر ، فكلمناه وقلنا لَهُ : يا أمير المؤمنين ، ناسٌ من قومك جُعنا وعَرينا ، فإن رأيت أنّ تنظر لنا ، فترك القوم ورماني ببَصَره وقال : أنت ممّن ؟ قلت : من بني عَبْد مَنَاف . قَالَ : من أيهم ؟ قلت : نشدتك الله والرحم أن لا تكشفْني عَنْ أكثر من هذا . قَالَ : ويْلك ، من أيّ بني عبد مَنَاف ؟ فلمّا رأيت غضبه قلت : يا أمير المؤمنين ، رجل من بني أُميّة . قَالَ : من أيّ بُنيّ أمية ؟ قلت : نشدتك الله والرحم أن لا تكشفْني عَنْ أكثر من هذا . قَالَ : ويْلك من أيّ بُنيّ أُميّة ؟ قلت : من ولد مروان . قَالَ : من أيّ ولد مروان ؟ قلت : من ولد عَبْد الملك ، فرأيت واللَّه الغضب يتردّد في وجهه ، قَالَ : ومن أيّ ولد عَبْد الملك ؟ قلت : من ولد سَعِيد . قَالَ : سعيد الشر ؟ قلت : نعم . قال : أنخ . فأنيخت الجمازة ، ثم قَالَ : عليّ بحمّاد ، وهو عامله عَلَى مكّة . فأُقْبِل بحمّاد فقال : وَيْهًا يا حمّاد ، أُوَلِّيك أمرَ قوم ويكون في ناحيتك مثل هذا ولا تطلعني عليه . فرأيت حمّادًا ينظر إلى نظر الجمل الصَّؤُول يكاد يأكلني . ثمّ قَالَ : أثِرْ يا غلام ، فأثار الجمازة ، ومرُّوا يطردونه ، ورجعت وأنا أخْزَى خلق الله ، وأخوفه من حماد ، وانقمعت في منزلي . فلما كان جوف الليل أتاني أتٍ ، فقال : أجِبْ أميرَ المؤمنين ، فودعت واللَّه وداعَ الميّت ، وخرجت وهن ينتفْن شُعورهن ويَلْطِمْن ، فأُدْخِلتُ عَلَيْهِ ، فسلمت ، فردّ عليّ وقال : حيّاك اللَّه يا أبا صَفْوان ، يا غلام ، احمل مَعَ أَبِي صَفْوان خمسة آلاف دينار . فأخذتها وجئت إلى بناتي فصَبَبْتُها بينهن ، فوالله ما تمّ سرورنا حتّى طُرِق الباب أن أجِبْ أميرَ المؤمنين . قلت : واللَّه بدا لَهُ فيَّ ، فدخلت عَلَيْهِ ، فمدّ يده إلى كتاب كأنه إصبع فقال : إلق حمّادًا بهذا الكتاب . فأخذته وصرتُ إلى بناتي فسكنت منهنّ ، ثمّ أتيت حمّادًا وهو جالس عند المقام ينظر إلى الفجر ، ويتوقعّ خروج أمير المؤمنين ، وكان يُغَلِّس بالفجر ، فلمّا نظر إلي كاد يأكلني ببصره . فقلت : أصلح الله الأمير ليفرج رَوْعُك ، فقد جاءك اللَّه بالأمر عَلَى ما تحبّ ، فأخذ الكتاب منّي ، ومال إلى بعض المصابيح . فقرأه ، ثم قَالَ : يا أبا صَفْوان ، تدري ما فيه ؟ قلت : لا واللَّه . قَالَ : اقْرأْه . فإذا فِيهِ مكتوب : بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم ، يا حمّاد ، لا تنظر إلى أَبِي صَفْوان إلّا بالعين الّتي تنظر بها إلى الأولياء ، وَأَجْرِ عَلَيْهِ في كلّ شهر ثلاثة