تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1104

مساهمون:

ص١١٠٤
له : طلّق أمي ، فإنّك على دينٍ وهي على غيره . وقال أبو نُعَيّم : أنبأنا الخُلْديّ قال : سمعتُ الْجُنَيْد يقول : كان الحارث يجيء إلى منزلنا فيقول : اخرج معنا نُصْحِر . فأقول : تُخْرجني من عُزْلتي وأمْني على نفسي إلى الطُّرُقات والآفات ورؤية الشَّهَوات ؟ فيقول : أخرج معي ولا خوف عليك . فأخرج معه . فكأنّ الطريق فارغ من كلّ شيء ، لا نرى شيئًا نكرهه . فإذا حصلتُ معه فِي المكان الَّذِي يجلس فِيهِ يقول : سَلْني . فأقول : ما عندي سؤال . ثُمَّ تَنْثَالُ عليَّ السؤالات ، فأسأله فيجيبني للوقت ، ثُمَّ يمضي فيعملها كُتُبًا . وكان يقول لي : كم تقول : عُزْلتي أُنسي ، لو أنّ نصف الخلق تقرّبوا منّي ما وجدتُ بهم أُنْسًا ، ولو أنّ النّصف الآخر نأى عنّي ما استوحشت لبُعْدِهم . واجتاز بي الحارث يومًا ، وكان كثير الضّرّ ، فرأيتُ على وجهه زيادة الضّرّ من الجوع . فقلت : يا عمُّ ، لو دخَلْتَ إلينا ؟ قال : أوَ تَفعَل ؟ قلت : نعم ، وتَسُرّني بذلك . فدخلتُ بين يديه ، وعمدت إلى بيت عمّي ، وكان لا يخلو من أطْعِمة فاخرة ، فجئت بأنواع من الطّعام ، فأخذ لُقْمةً ، فرأيته يلوكها ولا يَزْدَرِدها . فوثب وخرج وما كلَّمني . فلمّا كان من الغد لقيته فقلت : يا عمّ ، سَرَرْتني ، ثُمَّ نَغّصتَ عليّ . قال : يا بُنيّ أمّا الفاقة فكانت شديدة ، وقد اجتهدتُ في أن أنال من الطّعام ، ولكن بيني وبين الله علامة ، إذا لم يكن الطعام مرضيا ارتفع إلى أنفي منه زفورة ، فلم تقبله نفسي ؛ فقد رميت تلك اللُّقْمة فِي دِهْليزكم . وقال ابن مسروق : قال حارث المحاسبيّ : لكلّ شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل التَّوفيق . قال : وسمعت الحارث يقول : ثلاثة أشياء عزيزة : حُسن الوجه مع الصيانة ، وحُسن الخَلْق مع الدِّيانة ، وحُسن الإخاءِ مع الأمانة . ومن كلامه : تَرْكُ الدُّنيا مع ذِكرها صفة الزّاهدين . وتَرْكها مع نسيانها صفة العارفين .