تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1100

مساهمون:

ص١١٠٠
وناوله الكأس فقال : ما خامر لحمي ودمي قطّ ، فاعفِني منه ، فأعفاه وقال : أنشِدْني شِعْرًا . فأنشده : باتوا على قُلَل الأجبالَ تحرسهم . . . غُلْبُ الرجال ولم تنفعهم القلل الأبيات ، فبكى والله المتوكّل طويلا ، وأمَر برفع الشّراب ، وقال : يا أبا الحسن لقد لينت منا قلوبًا قاسية . أعليك دَيْنٌ ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار . فأمَر له بها وردّه مكرَّمًا . قتلة المتوكل . حكى المسعوديّ أنّ بُغا الصّغير دعا بباغِر التُّركيّ ، وكان باغر أهوج مِقْدامًا ، فكلَّمه واختبره فِي أشياء ، فوجده مُسارِعًا إليها ، فقال : يا باغر هذا المنتصر قد صحّ عندي أنّه عامِلٌ على قتْلي ، وأريد أن تقتله ، فكيف قلبك ؟ ففكّر طويلا ثُمَّ قال : هذا لا شيء ، كيف نقتله وأبوه ، يعني المتوكّل باقٍ ، إذا يقتلكم أَبُوهُ . قال : فما الرأي عندك ؟ قال : نبدأ بالأب . قال : ويْحك ، وتفعل ؟ قال : نعم ، وهو الصّواب . قال : انظر ما تقول . وردّد عليه ، فوجده ثابتًا ، ثُمَّ قال له : فادخل أنت على أثري فإن قتلتُه وإلا فاقتُلْني وضَعْ سيفَك عليَّ وقُلْ : أراد أن يقتل مولاه . فتمّ التّدبير لبُغا فِي قتل المتوكّل . حدَّث البُحْتُريّ قال : اجتمعنا فِي مجلس المتوكّل ، فَذُكِر له سيف هِنْديّ ، فبعث إلى اليمن فاشْتُرَى له بعشرة آلاف وأُتي به فأعجبه ، ثُمَّ قال للفتح : ابغِني غلامًا أدفع إليه هذا السّيف لا يفارقْني به . فأقبل باغر التُّرْكيّ ، فقال الفتح بْن خاقان : هذا موصوف بالشّجاعة والبسالة فدفع المتوكّل إليه السِّيف وزاد فِي أرزاقه ، فوالله ما انتضى ذلك السّيف إلى ليلة ضربه به باغر . فلقد رَأَيْت من المتوكّل فِي اللّيلة التي قُتِل فيها عَجَبًا . تذاكَرْنا الكِبْر ، فأخذ يذمُّه ويتبرّأ منه . ثُمَّ سجد وعفَّر وجهه بالتّراب ، ونثر من التّراب على رأسه ولِحْيَته وقال : إنّما أَنَا عَبْدٌ . فتطيّرت له من التّراب . ثُمَّ جلس للشُّرْب ، وعمل فِيهِ النّبيذ ، وَغَنَّى صوتًا أعجبّه فبكى ، فتطيّرت من بكائه . فإنّا فِي ذلك إذ بَعَثَتْ إليه قبيحة بخلُعة استَعْمَلَتْها له دُرَاعة حمراء خَزّ ، ومُطْرَف خز ، فلبسها ، ثم تحرك فيه ، فانشق فلفه ، وقال : اذهبوا به ليكون كَفَني . فقلت : إنّا لله ، انقضت والله المدّة ، وسكر المتوكّل سكرًا شديدًا ، ومضى من اللّيل ثلاثُ