قُلْ لِهَذَا الْبَائِسِ لا تَخَفْ ، وَمَا رَضِيَ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِنَفْسِهِ .
وَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْوَلِيدُ الْفَاسِقُ هَمَّ بِعَزْلِ يُوسُفَ وَبِتَوْلِيَةِ ابْنِ عَمِّهِ عبد الملك ابن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَوَالِدَةُ الْوَلِيدِ ابْنَيْ عَمٍّ ، فَسَارَ يُوسُفُ إِلَى الْوَلِيدِ وَقَدَّمَ لَهُ أَمْوَالا عَظِيمَةً وَتُحَفًا ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ مَسْجُونًا فِي سِجْنِ الْوَلِيدِ ، فَقَرَّرَ مَعَ أَبَانِ النَّمَرِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ خَالِدًا الْقِسْرِيَّ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ لِيُوسُفَ : ارْجَعْ إِلَى عَمِّكَ ، فَقَالَ أَبَانُ لِلْوَلِيدِ : اعْطِنِي خَالِدًا وَأَدْفَعُ إِلَيْكَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ ، قَالَ : وَمَنْ يَضْمَنُ هَذَا الْمَالُ عَنْكَ ؟ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ : أَنَا ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَحَمَلَهُ فِي مَحْمَلٍ بِغَيْرِ وِطَاءٍ وَقَدِمَ بِهِ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَهْلَكَهُ تَحْتَ الْعَذَابِ وَالْمُصَادَرَةِ ، وَطَلَبَ مِنْهُ أُلُوفًا لا تُحْصَى . ثُمَّ اقْتَصَّ مِنْ يُوسُفَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ بِأَبِيهِ وَقَتَلَهُ ، ثُمَّ قَتَلَ يَزِيدَ بْنَ خَالِدٍ حِينَ تَمَلَّكَ مَرْوَانُ الحمار .
قال وهب بن جرير : حدثنا حيان بن زهير ، قال : حدثنا أَبُو الصَّيْدَاءِ صَالِحُ بْنُ طَرِيفٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْعِرَاقَ أَتَانَا خَبَرَهُ بِخُرَاسَانَ ، قَالَ : فَبَكَى أَبُو الصَّيْدَاءِ ، وَقَالَ : هَذَا الْخَبِيثُ شَهِدْتُهُ ضَرَبَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ حَتَّى قَتَلَهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : يُقَالُ : إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا وُلِّيَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الْفَاسِقَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ قَدْ صَارَ إِلَى الْبَلْقَاءِ فَاطْلُبُوهُ ، قَالَ : فَلَمْ يُوجَدْ ، فَتَهَدَّدُوا ابْنَهُ ، فَقَالَ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ ، إِنَّهُ انْطَلَقَ إِلَى مَزْرَعَةٍ لَهُ ، فَسَارَ إِلَيْهِ خَمْسُونَ فَارِسًا ، فَإِذَا بِهِ انْمَلَسَ وَاخْتَفَى ، فَإِذَا نِسْوَةٌ أَلْقَيْنَ عَلَيْهِ قَطِيفَةً وَجَلَسْنَ عَلَى حَوَاشِيهَا ، فَجَرُّوا بِرِجْلِهِ فَأَتَوْا بِهِ ، وَكَانَ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ فَأَخَذَ حَرَسِيٌّ بِلِحْيَتِهِ فَهَزَّهَا وَنَتَفَ مِنْهَا ، وَكَانَ قَصِيرًا فَأُدْخِلَ عَلَى يَزِيدَ فَقَبَضَ يُوسُفُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، وَإِنَّهَا لَتَجُوزُ سُرَّتَهُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَتَفَ - وَاللَّهِ - لِحْيَتِي ، فَسَجَنَهُ فِي الْخَضْرَاءِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ فَقَالَ : أَمَا تَخَافُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْكَ بَعْضُ مَنْ قَدْ وَتَرْتَ فَيُلْقِي عَلَيْكَ حَجَرًا ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا فَطِنْتُ لِهَذَا ، فَنَشَدْتُكَ اللَّهُ لَتَكَلَّمْتَ فِي تَحْوِيلِي ، قال : فَأَخْبَرْتُ يَزِيدَ ، فَقَالَ : مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ حُمْقِهِ أَكْثَرُ وَمَا حَبَسْتُهُ إِلا لأُوَجِّهَ بِهِ إِلَى الْعِرَاقِ فَيُقَامُ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 572
مساهمون: الذهبي
ص٥٧٢