كَمْ عَائِدٍ رَجُلا وَلَيْسَ يَعُودُهُ . . . إِلا لِيَعْلَمَ هَلْ تَرَاهُ يَمُوتُ
وَتَمَثَّلَ أَيْضًا :
وَمُسْتَخْبِرٌ عَنَّا يُرِيدُ بِنَا الرَّدَى . . . وَمُسْتَخْبِرَاتٌ وَالْعُيُونُ سَوَاجِمُ
فَجَلَسَ الْوَلِيدُ يَبْكِي ، فَقَالَ : مَا هَذَا ، تَحِنُّ حَنِينَ الأَمَةِ ! إِذَا مِتُّ فَشَمِّرْ وَائْتَزِرْ وَالْبَسْ جِلْدَ النَّمِرِ ، وَضَعْ سَيْفَكَ عَلَى عَاتِقِكَ ، فَمَنْ أَبْدَى ذَاتَ نَفْسِهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، وَمَنْ سَكَتَ مَاتَ بِدَائِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ : لَمَّا أَيْقَنَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْمَوْتِ دَعَا مَوْلاهُ أَبَا عِلاقَةَ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُنْذُ وُلِدْتُ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَمَّالا . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ إِلا وَاحِدَةً ، وَهِيَ فَاطِمَةُ ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا قِرْطَيْ مَارِيَّةَ ، وَالدُّرَّةَ الْيَتِيمَةَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُخْلِفْ شَيْئًا أَهَمَّ مِنْهَا إِلَيِّ فَاحْفَظْهَا ، فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَوْصَى بَنِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْفُرْقَةِ وَالاخْتِلافِ ، وَقَالَ : انْظُرُوا مُسْلِمَةَ وَاصْدُرُوا عَنْ رَأْيِهِ - يَعْنِي أَخَاهُمْ - فَإِنَّهُ مَجَنَّكُمُ الَّذِي بِهِ تَجْتَنُّونَ وَنَابَكُمُ الَّذِي عَنْهُ تَفْتَرُّونَ ، وَكُونُوا بَنِي أُمٍّ بَرَرَةً ، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَحْرَارًا ، وَلِلْمَعْرُوفِ مَنَارًا ، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَمْ تُدْنِ مَنِيَّةً قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يَبْقَى أَجْرُهُ وَذِكْرُهُ ، وَاحْلَوْلَوْا فِي مَرَارَةٍ ، وَلِينُوا فِي شِدَّةٍ ، وَكُونُوا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ :
إِنَّ الْقِدَاحَ إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا . . . بِالْكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وَبَطْشٍ أَيِّدِ
عَزَّتْ فَلَمْ تُكْسَرْ ، وَإِنْ هِيَ بُدِّدَتْ . . . فَالْكَسْرُ وَالتَّوْهِينُ لِلْمُتَبَدِّدِ
يَا وَلِيدُ اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أُخْلِفُكَ فِيهِ ، وَاحْفَظْ وَصِيَّتِي ، وَخُذْ بِأَمْرِي ، وانظر أَخِي مُعَاوِيَةَ ، فَإِنَّهُ ابْنُ أُمِّي ، وَقَدِ ابْتُلِيَ فِي عَقْلِهِ بِمَا عَلِمْتَ ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَآثَرْتُهُ بِالْخِلافَةِ ، فَصِلْ رَحِمَهُ ، وَاحْفَظْنِي فِيهِ ، وَانْظُرْ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ ، فَأَقِرَّهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ ، وَلا تعزله ، وانظر أخاك عبد الله ، فلا توآخذه ، وَأَقْرِرْهُ عَلَى عَمَلِهِ بِمِصْرَ ، وَانْظُرِ ابْنَ عَمِّنَا هَذَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ إِلَيْنَا بِمَوَدَّتِهِ وَهَوَاهُ وَنَصِيحَتِهِ ، وَلَهُ نَسَبٌ وَحَقُّ ، فَصِلْ رَحِمَهُ وَاعْرَفْ حَقَّهُ ، وَانْظُرِ الْحَجَّاجَ فَأَكْرِمْهُ ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَطَّأَ لَكُمُ الْمَنَابِرَ ، وَهُوَ سَيْفُكَ يَا وَلِيدُ ، وَيَدُكَ عَلَى مَنْ نَاوَأَكَ ، فَلا تَسْمَعَنَّ فِيهِ قَوْلَ أَحَدٍ ، وَأَنْتَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَيْكَ . وَادْعُ النَّاسَ إِذَا مِتُّ إِلَى الْبَيْعَةِ ، فَمَنْ قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا ، فَقُلْ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 975
مساهمون: الذهبي
ص٩٧٥