جَالَسْتُ بَعْدَ الْيَوْمِ أَحَدًا سِوَاكَ ، فَانْصَرَفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ :
أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمَضَلَّةٍ . . . مِنَ الأَرْضِ لا مَالٌ لَدَيَّ وَلا أَهْلُ
وَلا أَحَدٌ أقضي إِلَيْهِ وَصِيَّتِي . . . وَلا وَارِثٌ إِلا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا . . . وَحلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ
قُلْتُ : ثُمَّ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ بِهَا ، وَشَغَفَتْهُ حُبًّا ، وَوُسْوِسَ في عقله ، فذكر أبو عبيدة أن الْمَجْنُونَ كَانَ يَجْلِسُ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ بَاهِتَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لا يَفْهَمُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ ، ثُمَّ يَثُوبُ إِلَيْهِ عَقْلُهُ ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلا يَعْرِفُهُ ، حَتَّى قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّكَ لمجنون ، فَقَالَ :
إِنِّي لَأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّثُهُمْ . . . فَأَسْتَفِيقُ وَقَدْ غَالَتْنِي الْغُولُ
يَهْوِي بِقَلْبِي حَدِيثُ النَّفْسِ نحوكم . . . حتى يقول جليسي أَنْتَ مَخْبُولُ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فَتَزَايَدَ بِهِ الأَمْرُ حَتَّى فُقِدَ عَقْلُهُ ، فَكَانَ لا يَقِرُّ فِي مَوْضِعٍ ، وَلا يُؤْوِيهِ رَحْلٌ ، وَلا يَعْلُوهُ ثَوْبٌ ، إِلا مَزَّقَهُ ، وَصَارَ لا يَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ إِلا أن تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى ، فَإِذَا ذُكِرَتْ لَهُ أَتَى بِالْبَدَائِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْمَ لَيْلَى شَكَوْا مِنْه إِلَى السُّلْطَانِ ، فَأَهْدَرَ دَمَهُ ، ثُمَّ إِنَّ قَوْمَهَا تَرَحَّلُوا مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، فَأَشْرَفَ فَرَأَى دِيَارَهُمْ بَلاقِعَ ، فَقَصَدَ مَنْزِلَهَا ، وَأَلْصَقَ صَدْرَهُ بِهِ ، وَجَعَلَ يُمَرِّغُ خَدَّيْهِ عَلَى التُّرَابِ ، وَيَقُولُ :
أَيَا حَرَجَاتِ الْحَيِّ حَيْثُ تَحَمَّلُوا . . . بِذِي سَلَمٍ لا جَادَكُنَّ رَبِيعُ
وَخَيْمَاتُكِ اللَّاتِي بمُنْعَرَجِ اللِّوَى . . . بَلِينَ بَلَى لَمْ تَبْلَهُنَّ رُبُوعُ
نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي نَدَامَةً . . . كَمَا نَدِمَ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ .
قَالَ ابن المرزبان : قال أبو عمرو الشَّيْبَانِيُّ : لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ ، وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعُوا إِلَى أَبِيهِ ، وَقَالُوا : يَا هَذَا ، تَرَى مَا بِابْنِكَ ، فَلَوْ خَرَجْتَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَاذَ بِبَيْتِ اللَّهِ ، وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِهِ ، وَدَعَا اللَّهَ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 701
مساهمون: الذهبي
ص٧٠١