تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1111

مساهمون:

ص١١١١
إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةَ مَوْكِبٍ ، فَإِذَا هِشَامٌ ، فَقَالَ لِي : يَا رَجَاءُ ، قَدْ عَلِمْتُ مَوْقِعَكَ مِنَّا ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَزَالَهَا عَنِّي ، فَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدَلَهَا عَنِّي فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفس حتى أنظر ، فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ ! لا يَكُونُ ذَا أَبَدًا . قَالَ : فَأَدَارَنِي وَلاحَانِي ، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ لِي : يَا رَجَاءُ ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَمْرٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ، أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيَّ وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نَفْسٌ لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا ، قُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ ! قَالَ : وَثَقُلَ سُلَيْمَانُ ، فَلَمَّا مَاتَ أَجْلَسْتُهُ مَجْلِسَهُ وَأَسْنَدْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ ، فَقَالُوا : كَيْفَ أَصْبَحَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قُلْتُ : أَصْبَحَ سَاكِنًا ، وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ وَتُبَايِعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ ، فَدَخَلُوا وَأَنَا قَائِمٌ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا دَنَوْا قُلْتُ : إِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ بِالْوُقُوفِ ، ثُمَّ أخذت الكتاب من عنده وتقدمت إليهم وَقُلْتُ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، فَبَايَعُوا وَبَسَطُوا أَيْدِيهِمْ . فَلَمَّا بَايَعْتُهُمْ وَفَرَغْتُ قُلْتُ : آجَرَكُمُ اللَّهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . قَالُوا : فَمَنْ ؟ فَفَتَحْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ الْعَهْدُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا : " وَبَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ " كَأَنَّهُمْ تَرَاجَعُوا ، فَقَالُوا : أَيْنَ عُمَرُ ، فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَتَوْهُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ ، فَعُقِرَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ النُّهُوضَ حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ ، فَدَنَوْا بِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ وَأَصْعَدُوهُ ، فَجَلَسَ طَوِيلا لا يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ رَجَاءٌ : أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ ، فَنَهَضَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ ، قَالَ : فَصَعَدَ إِلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ قَالَ : يَقُولُ هِشَامٌ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، فَقَال عُمَرُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، حِينَ صَارَ يَلِي هَذَا الأَمْرَ أَنَا وَأَنْتَ . ثم قام فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ إِنْ هُمْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بوالٍ . ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : مَرْكَبُ الْخَلِيفَةِ . قَالَ : لا حَاجَةَ لِي فِيهِ ، ائْتُونِي بِدَابَّتِي ، فَأَتَوْهُ بِدَابَّتِهِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ فَكَتَبَ بِيَدِهِ إِلَى عُمَّالِ الأَمْصَارِ .