تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
قُرَيْشٌ ، وَلَا حَكَتْهُ أُولَئِكَ الْأَشْيَاخُ ، مَعَ تَوَفُّرِ هِمَمِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ عَلَى حِكَايَةِ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ أَيَّمَا اشْتِهَارٍ ، وَلَبَقِيَ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِسٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ ؛ وَلَمَا أَنْكَرَ مَجِيءَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ ، أَوَّلًا بِغَارِ حِرَاءٍ وَأَتَى خَدِيجَةَ خَائِفًا عَلَى عَقْلِهِ ، وَلَمَا ذَهَبَ إِلَى شَوَاهِقِ الْجِبَالِ لِيَرْمِيَ نَفْسَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَيْضًا فَلَوْ أَثَّرَ هَذَا الْخَوْفُ فِي أَبِي طَالِبٍ وَرَدَّهُ ، كَيْفَ كَانَتْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا لِخَدِيجَةَ ؟ . وَفِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ ، تُشْبِهُ أَلْفَاظَ الطُّرُقِيَّةِ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَائِذٍ رَوَى مَعْنَاهُ فِي مَغَازِيهِ دُونَ قَوْلِهِ : وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا ، إِلَى آخِرِهِ ، فَقَالَ : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فِي رَكْبٍ ، وَمَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ غُلَامٌ ، فَلَمَّا نَزَلُوا بُصْرَى ، وَبِهَا بَحِيرَا الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ ؛ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ قَطُّ رَاهِبٌ يَصِيرُ إِلَيْهِ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهِمْ فِيمَا يَزْعُمُونَ ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ؛ قَالَ : فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الصَّوْمَعَةِ ، فَصَنَعَ بَحِيرَا طَعَامًا ، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ حِينَ أَقْبَلُوا ، وَغَمَامَةٍ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ ، فَنَزَلَ بِظِلِّ شَجَرَةٍ ، فَنَزَلَ بَحِيرَا مِنْ صَوْمَعَتِهِ ، وَقَدْ أَمَرَ بذلك الطّعام فصنع ، ثم أرسل إليهم فجاؤوه فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : يَا بَحِيرَا مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا ، فَمَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ ، فَاجْتَمَعُوا ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصِغَرِهِ فِي رِحَالِهِمْ . فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَا فِيهِمْ وَلَمْ يَرَهُ قال : يا معشر قريش لا يتخلّف أحد عن طعامي هذا . قَالُوا : مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ إلَّا غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا . قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا ، ادْعُوهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِنَّ هَذَا لَلُؤْمٌ بِنَا ، يَتَخَلَّفُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الطَّعَامِ مِنْ بَيْنِنَا ، ثُمَّ قَامَ وَاحْتَضَنَهُ ، وَأَقْبَلَ بِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَا جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا ، وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ ، حَتَّى إِذَا شَبِعُوا وَتَفَرَّقُوا قَامَ بَحِيرَا فَقَالَ : يَا غُلَامُ أَسْأَلُكَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنيِ عمّا