ذِي رُوحٍ الطَّهَارَةُ وَأَخْرَجَ الْحَيَوَانَ الْحَيَّ بِقَوْلِهِ غَيْرَ حَيٍّ وَأَخْرَجَ الْمَيْتَةَ وَمَا تَوَلَّدَ عَنْ الْحَيَوَانِ بِقَوْلِهِ وَغَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْحَيِّ فَالْمُنْفَصِلُ عَنْهُ كَالْبَيْضِ لَيْسَ بِجَمَادٍ وَكَذَلِكَ أَجْزَاءُ الْحَيِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ الْجَمَادِيَّةِ نَجَسٌ وَإِلَّا لَكَانَ الْحَيُّ نَجَسًا وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْجَمَادِ الْجَامِدُ وَالْمَائِعُ مِنْ زَيْتٍ وَعَسَلِ غَيْرِ نَحْلٍ لَا يُقَالُ الْجَمَادُ يُقَابِلُهُ الْمَائِعُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يُقَابِلُ الْمَائِعَ الْجَامِدُ لَا الْجَمَادُ وَقَالَ ح وَيَدْخُلُ فِي حَدِّهِ السَّمْنُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ حَيٍّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُنْفَصِلَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَالسَّمْنُ مُنْفَصِلٌ عَنْ اللَّبَنِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ حَيٍّ تَأَمَّلْ ( ص ) إلَّا الْمُسْكِرَ ( ش ) لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْجَمَادَاتِ مُفْسِدًا وَمُرَقِّدًا وَمُسْكِرًا عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَوَّلَيْنِ الطَّهَارَةَ دُونَ الْأَخِيرِ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ بِمَا ذُكِرَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْكِرُ مَائِعًا كَالْخَمْرِ أَوْ جَامِدًا كَالْحَشِيشِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ( فَائِدَةٌ ) تَنْفَعُ الْفَقِيهَ يُعْرَفُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُرَقِّدِ وَالْمُفْسِدِ فَالْمُسْكِرُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْأَةٍ وَفَرَحٍ وَالْمُفْسِدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْأَةٍ وَفَرَحٍ كَعَسَلِ الْبَلَادِرِ وَالْمُرَقِّدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّيْكُرَانِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْإِسْكَارِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ الْحَدُّ وَالنَّجَاسَةُ وَتَحْرِيمُ الْقَلِيلِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحَشِيشَةِ قَوْلَانِ هَلْ هِيَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ أَمْ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِهَا فَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهَا مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَلِكُلٍّ دَلِيلٌ اُنْظُرْهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَبِالْفَرْقِ الْمَذْكُورِ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ إلَّا الْمُسْكِرَ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ النَّبَاتَ الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَالدَّفْعُ بِأَنَّهَا مُفْسِدَاتٌ أَوْ مُرَقِّدَاتٌ لَا مُسْكِرَاتٌ وَالْأَرْجَحُ فِي الْحَشِيشَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَنَاوُلُ مَا قَلَّ مِنْهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ مِنْ مَنْعِ تَعَاطِي الْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْكَثِيرِ .
( ص ) وَالْحَيُّ ( ش ) الْقُرْطُبِيُّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَيَّ طَاهِرٌ حَتَّى الْجَنِينَ يَخْرُجُ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ اُنْظُرْ الْأَبِيِّ وَانْظُرْ حُكْمَ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ يَخْرُجُ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ هَلْ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَسَيَأْتِي لِابْنِ عَرَفَةَ
شرح
قَوْلُهُ وَأَخْرَجَ الْمَيْتَةَ ) ، فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ التَّعْرِيفِ أَنَّ آدَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ جَمَادٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيًّا وَلَا مُنْفَصِلًا عَنْ حَيٍّ ، وَهُوَ بَاطِلٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ حَيٍّ أَيْ جِسْمٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَيِّ نَقِيضَ الْمَيِّتِ حَتَّى يَكُونَ آدَم جَمَادًا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ آدَمَ شَأْنُهُ الْحَيَاةُ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَيِّتَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ غَيْرَ حَيٍّ فَلَا حَاجَةَ لِإِخْرَاجِهِ بِقَوْلِهِ وَغَيْرِ مُنْفَصِلٍ كَمَا فَعَلَ شَارِحُنَا ( قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُنْفَصِلَ بِلَا وَاسِطَةٍ إلَخْ ) الْحَقُّ أَنَّ السَّمْنَ لَيْسَ بِجَمَادٍ وَأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ بِلَا وَاسِطَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مُمَازِجًا لِلَّبَنِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ أَفَادَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ ( قَوْلُهُ أَوْ جَامِدًا كَالْحَشِيشِ ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْمَنُوفِيِّ ( قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعِنَبِ ) وَيُقَالُ لَهُ خَمْرٌ وَقَوْلُهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيُقَالُ لَهُ نَبِيذٌ ( قَوْلُهُ مَعَ نَشْأَةٍ ) أَيْ ارْتِفَاعٍ وَشَهَامَةٍ ( قَوْلُهُ وَالْمُفْسِدُ ) وَيُرَادِفُهُ الْمُخَدِّرُ ( قَوْلُهُ كَعَسَلِ الْبَلَادِرِ ) كَذَا فِي مُسَوَّدَةِ الْمُؤَلِّفِ تَبَعًا لِلْحَطَّابِ ، وَهُوَ بِلَفْظِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَقِيلَ الْأَوْلَى كَحَبِّ الْبَلَادِرِ ( قَوْلُهُ كَالسَّيْكُرَانِ ) بِضَمِّ الْكَافِ ( قَوْلُهُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِهَا ) أَيْ الْكَثِيرِ إذْ الْقَلِيلُ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِ أَكْلِهِ ( قَوْلُهُ وَلِكُلٍّ دَلِيلٌ إلَخْ ) فَالْقَرَافِيُّ يَقُولُ إنِّي لَمْ أَرَهُمْ يَمِيلُونَ إلَى الْقِتَالِ وَالنُّصْرَةِ بَلْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَرُبَّمَا عَرَضَ لَهُمْ الْبُكَاءُ وَالْمَنُوفِيُّ يَقُولُ ؛ لِأَنَّا رَأَيْنَا مَنْ يَتَعَاطَاهَا يَبِيعُ أَمْوَالَهُ لِأَجْلِهَا فَلَوْلَا أَنَّ لَهُمْ فِيهَا طَرَبًا لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ أَحَدًا يَبِيعُ دَارِهِ لِيَأْكُلَ بِهَا سُكَّرًا ، وَهُوَ وَاضِحٌ كَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا حَدَّ عَلَى مُسْتَعْمَلِ الْمُفْسِدِ وَالْمُرْقِدِ وَإِنَّمَا فِيهِمَا التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ عَنْ الْمُلَابَسَةِ وَلَا يَحْرُمُ مِنْهَا إلَّا الْقَدْرُ الْمُغَيِّبُ لِلْعَقْلِ .
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَمِنْ هُنَا أَجَازَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَكْلُ يَسِيرِ جَوْزَةِ الطَّيِّبِ لِتَسْخِينِ الدِّمَاغِ وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ خَلْطَهَا بِالْأَدْوِيَةِ لَا وَحْدَهَا وَالصَّوَابُ الْعُمُومُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ اه - .
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ مَا لَا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ اه - .
وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِأَكْلِ الْأَفْيُونِ وَيَخَافُ مِنْ تَرْكِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ اسْتِعْمَالُ الْقَلِيلِ غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ فِي عَقْلِهِ أَوْ حَوَاسِّهِ وَيَسْعَى فِي تَقْلِيلِهِ وَقَطْعِهِ جَهْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا يُسْقَى فِي الْمُرَقِّدِ لِقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرَقِّدِ مَضْمُونٌ وَضَرَرَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَضْمُونٍ قَالَ الْحَطَّابُ وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَالْجَوْزَةِ وَنَحْوِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَنْ لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَيُؤْمِنُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ ( قَوْلُهُ كَالْبَنْجِ ) مِثَالُ فَلْسٍ فَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ حَبٌّ يُخْلَطُ بِالْعَقْلِ وَيُورِثُ الْخَبَالَ وَرُبَّمَا أَسْكَرَ إذَا شَرِبَهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ ذَوْبِهِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ
( قَوْلُهُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ ) رَدُّ هَذَا الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ الْأَصْلَ يَنْجُسُ مَا اتَّصَلَ بِهِ نَجَسٌ رَطْبٌ وَبِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْإِجْمَاعِ وَلَقَدْ اسْتَوْعَبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ذَكَرَهُ تت فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرُطُوبَةِ فَرْجٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَسَيَأْتِي لِأَبِي عَرَفَةَ رَدُّ مَا هُنَا ( قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ ) أَيْ فَرْجِ الْآدَمِيِّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ ( قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ) كَبِيرًا أَوْ جَنِينًا فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا هَذَا غَايَةُ مَا يُفْهَمُ ( قَوْلُهُ وَانْظُرْ حُكْمَ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ ) أَيْ غَيْرَ مُبَاحَةِ الْأَكْلِ