القول في تأويل قوله : { وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء المشركين إلا يعذبهم الله ، وهم يصدون عن المسجد الحرام الذي يصلون لله فيه ويعبدونه ، ولم يكونوا لله أولياء ، بل أولياؤه الذين يصدونهم عن المسجد الحرام ، وهم لا يصلون في المسجد الحرام = " وما كان صلاتهم عند البيت " ، يعني : بيت الله العتيق = " إلا مُكاء " ، وهو الصفير .
يقال منه : " مكا يمكو مَكوًا ومُكاءً " وقد قيل : إن " المكو " : أن يجمع الرجل يديه ، ثم يدخلهما في فيه ، ثم يصيح . ويقال منه : " مَكت است الدابة مُكاء " ، إذا نفخت بالريح . ويقال : " إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة " ، ولذلك قيل للاست " المَكْوة " ، سميت بذلك ، ( 1 ) ومن ذلك قول عنترة :
وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ ( 2 )
وقول الطِّرِمَّاح :
هامش
( 1 ) وتمام سياقه أن يقول : " سميت بذلك لصفيرها " .
( 2 ) من معلقته المشهورة الغالية . سيرة بن هشام 2 : 326 ، والمعاني الكبير : 981 ، واللسان ( مكا ) وبعد البيت . سَبَقَتْ يَدَايَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ . . . وَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَونِ العَنْدَمِ
" الحليل " ، الزوج ، و " الغانية " : البارعة الحسن والجمال ، استغنت بجمالها عن التجمل . " مجدلا " ، صريعًا على الجدالة ، وهي الأرض . و " الفريصة " ، لحمة عند نغض الكتف ، في وسط الجنب ، عند منبض القلب ، وهما فريصتان ، وهي التي ترعد عند الفزع ، فيقال للفزع : " أرعدت فرائصه " ، وإصابة الفريصة مقتل . و " الأعلم " ، الجمل المشقوق الشفة العليا . خرج إليه هذا القتيل ، مدلا بقوته وشبابه ، يحفزه أن ينال إعجاب صاحبته الغانية الجميلة به إذا قتل عنترة ، فلم يكد حتى عاجله بالطعنة التي وصف ما وصف من اتساعها كشدق البعير الأعلم .