خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر ، أو أن يَعِي به شيئًا ، أو أن يفهم ، إلا بإذنه ومشيئته . وذلك أن " الحول بين الشيء والشيء " ، إنما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، ( 1 ) لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ .
وإذا كان ذلك معناه ، دخل في ذلك قول من قال : " يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان " ، وقول من قال : " يحول بينه وبين عقله " ، وقول من قال : " يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه " ، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه ، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ .
غير أنه ينبغي أن يقال : إن الله عم بقوله : ( ولعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه ، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء ، والكلام محتمل كل هذه المعاني ، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له .
* * *
وأما قوله : ( وأنه إليه تحشرون ) ، فإن معناه : واعلموا ، أيها المؤمنون ، أيضًا ، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه : أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم ، وهو أملك بها منكم ، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة ، ( 2 ) فيوفّيكم جزاء أعمالكم ، المحسنَ منكم بإحسانه ، والمسيءَ بإساءته ، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه ، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم ، فيوجب ذلك سَخَطَه ، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه .
* * *
هامش
( 1 ) انظر تفسير " المرء " فيما سلف 2 : 446 \ 9 : 430 .
( 2 ) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص 23 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .