( أيشركون ما ) ، فأخرج ذكرهم ب " ما " لا ب " من " مخرج الخبر عن غير بني آدم ، لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرًا أو خشبًا أو نحاسًا ، أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب " ما " لا ب " من " ، فقيل لذلك : " ما " ، ثم قيل : " وهم " ، فأخرجت كنايتهم مُخْرَج كناية بني آدم ، لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها ، نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضًا .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئًا من خلق الله ، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا ، أو أحلّ بهم عقوبة ، ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها ؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه ، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم ، بل لا تجتلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا ، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ ؟ يعجِّب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم اللهَ غيرَه .
* * *
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 319
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣١٩