وليس له مما جعل له ربه فأباحه له . وهذا من الاستثناء الذي يُسميه أهل العربية " الاستثناء المنقطع " ، كما قال جرير بن عطية :
مِنَ البِيضِ ، لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا ، وَلَمْ تَطَأْ . . . عَلَى الأرْضِ إِلا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ ( 1 )
يعني : ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد ، وليس ذيل البُرْد من الأرض . ( 2 )
ثم أخبر جل ثناؤه عباده بحكم من قُتل من المؤمنين خطأ ، فقال : " ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير " ، يقول : فعليه تحرير = " رقبة مؤمنة " ، في ماله = " ودية مسلمة " ، تؤديها عاقلته ( 3 ) = " إلى أهله إلا أن يصدقوا " ، يقول : إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم ، فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه ، فيسقط عنه .
* * *
وموضع " أن " من قوله : " إلا أن يصدقوا " ، نصب ، لأن معناه : فعليه ذلك ، إلا أن يصدّقوا .
* * *
هامش
( 1 ) ديوانه : 457 ، والنقائض : 706 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 137 ، من قصيدته التي هجا فيها الفرزدق وآل الزبرقان بن بدر ، وهو من أول القصيدة ، وقبله : أَمِنْ عَهْدِ ذِي عَهْدٍ تَفِيضُ مَدَامِعِي . . . كَأَنَّ قَذَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ حَبِّ فُلْفُلِ ?
فَإنْ يَرَ سَلْمَى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِهَا ، . . . وَإِنْ يَرَ سَلْمَى رَاهِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ
ورواية الديوان وأبي عبيدة في النقائض : " إِلاَّ نِيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ "
و " النير " ( بكسر النون ) : علم الثوب . و " المرط " : إزار خز له علم ، ويكون من صوف أيضا . وأما " الريط " فهو جمع " ريطة " : وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ، ولم تكن لفقين ، وتكون ثوبًا دقيقًا لينًا . و " المرحل " : الموشى ، وهو ضرب من البرود ، وشيه معين كتعيين جديات الرحل . وكان في المخطوطة والمطبوعة : " مرجل " بالجيم ، وهو خطأ .
( 2 ) هذه مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 136 - 138 .
( 3 ) " العاقلة " ، : هم العصبة ، وهم القرابة من قبل الأب ، الذين يعطون دية قتل الخطأ . من " العقل " ، وهي الدية .