فمعنى قوله تعالى ذكره : " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " إذًا : لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس . ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس ، فليحنث في يمينه ، وليبرَّ ، وليتق الله ، وليصلح بين الناس ، وليكفّر عن يمينه .
* * *
وترك ذكر " لا " من الكلام ، لدلالة الكلام عليها ، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك ، كما قال أمرؤ القيس :
فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا . . . وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي ( 1 )
بمعنى : فقلت : يمين الله لا أبرح ، فحذف " لا " ، اكتفاء بدلالة الكلام عليها .
* * *
وأما قوله : " أن تبروا " ، فإنه اختلف في تأويل " البر " ، الذي عناه الله تعالى ذكره .
فقال بعضهم : هو فعل الخير كله . وقال آخرون : هو البر بذي رحمه ، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى . ( 2 )
* * *
وأولى ذلك بالصواب قول من قال : " عني به فعل الخير كله " . وذلك أن أفعال الخير كلها من " البر " ، ولم يخصص الله في قوله : " أن تبرُّوا " معنى دون معنى من معاني " البر " ، فهو على عمومه ، والبر بذوي القرابة أحد معاني " البر " .
* * *
وأما قوله : " وتتقوا " ، فإن معناه : أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في
هامش
( 1 ) ديوانه : 141 وسيأتي في التفسير 13 : 28 ( بولاق ) وهو من قصيدته التي لا تبارى وهي مشهورة وما قبل البيت وما بعده مشهور .
( 2 ) انظر ما سلف في معاني " البر " 2 : 8 / ثم 3 : 336 - 338 ، 556 .