أكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام ، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه ، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب ، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم ، وأنه ترك إكراه الآخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره على دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم = ( 1 ) كان بينا بذلك أن معنى قوله : " لا إكراه في الدين " ، إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ، ورضاه بحكم الإسلام .
ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم ، بالإذن بالمحاربة .
* * *
فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه : من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام ؟
قلنا : ذلك غير مدفوعة صحته ، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأمر ، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه . فالذين أنزلت فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم ، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام ، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم ، ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها ، وإقرارهم عليها ، على النحو الذي قلنا في ذلك .
* * *
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : " لا إكراه في الدين " . لا يكره أحد في دين الإسلام عليه ، ( 2 ) وإنما أدخلت " الألف واللام " في " الدين " ، تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله : ( 3 ) " لا إكراه فيه " ، وأنه هو الإسلام .
هامش
( 1 ) سياق الجملة : " وإذ كان ذلك كذلك . . . كان بينا " . وما بين الخطين ، عطوف متتابعة فاصلة بينهما .
( 2 ) " عليه " ، أي على الإسلام .
( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " تصريفا للدّين " ، وهو تحريف ، والصواب الواضح ما أثبت .