تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
موهبه الحقير ، وأخَّر ما نفاه من إثبات موهبه الخطير ، وذلك نقيض ما ورد في الآية الكريمة ، وعكسه فأول ما يُنْقَمُ عليه الأبله الذي لا يفهم غائلته ( 1 ) في هذا التحريف اللطيف أنه عاكس صورة الآية الظاهرة وخالفها ، بل ضادَّها ، ثم ادعى المماثلة ، وحقُّ التمثيل أن يكون مطابقاً جليَّاً ، لا معاكساً خفياً ، ثم إن غرضه بهذة المعاكسة في التمثيل الاحتراز عما نقم عليه في التأويل . بيان ذلك أنه نقم عليه في تأويله أنه أضمر في الجملة الأولى تقييدها بالمشيئة من غير دليلٍ ، وإن ذلك لا يصح حتى إنه ( 2 ) ارتكب لأجل الفرار منه أن معنى قوله تعالى : { أمرنا مترفيها فَفَسَقُوا فيها } [ الإسراء : 16 ] ، أمرناهم بالفسق مجازاً ، كما تقدم ، وهو صريحٌ في " الكشاف " ( 3 ) في موضعه ، فلم فهم هذا التأويل ، احترز منه في التمثيل ، فجعل تقديم الأدنى الحقير مع تعقيبه بالأعلى الخطير قرينةً عقليةً يحسن معها إضمارُ التقييد للجملة الأولى في تمثيله ، وذلك أن من يَهَبُ القنطار لمن يشاء ، أولى وأحرى أن يَهَبَ الدينار لمن يشاء ، مثلما أن الآية لو وردت بأن الله يغفر الشرك لمن يشاء ، ولا يغفر ( 4 ) ما دون ذلك ، حَسُنَ أن يضمر إلاَّ أن يشاء ، فيما دون ذلك بالقرينة العقلية ، ولكن تكون العبارة في المضمر ، إلاَّ أن يشاء ، ولا يصلح أن يكون لمن يشاء ، لما قدمنا ذكره من النظر في دُخُول حرف النفي في مثل هذا ، وقد أخذ هذه الحيلة في تمثيله من قوله فيمن يُؤتمن ومن لا يؤتمن : { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } [ آل عمران : 75 ] ، وليس مثل الآية إلاَّ أنه ( 5 ) يمكن الاعتراضُ عليه ، ويمنع تقدير المشيئة في تمثيله ، لاحتمال أن يكون الأميرُ لا يعطي الدينار أنَفَةً وترفُّعاً من عطاء الحقير ، والقرينة الدالة على هذا ما وصف به بعده من إعطائه القنطار .
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " جائلته " . ( 2 ) " إنه " ساقطة من ( ش ) . ( 3 ) 2 / 442 . ( 4 ) في ( ف ) : " يحسن " . ( 5 ) في ( د ) و ( ف ) : " لأنه " .