تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الموحد للمغفرة من غير توبة ، واستحقاق المشرك ألا يغفر له إلاَّ بالتوبة ، وهذا أيضاً مَنٌّ ، ولله الحمد . فإن قيل : ما ذكرتم من بطلان فائدة التقسيم للذنوب إلى شركٍ وما دونه على كلام الشيخ غير مُسَلَّمٍ ، لأنه يمكن أن تكون ( 1 ) الفائدة فيه تعظيم الشرك بنفي المغفرة له مطلقاً ، لأن الآية مَسُوقَةٌ لتعظيم ذنب المشرك ، فلم يقتض هذا المقام التصريح بمغفرته مع التوبة ، لمنافاته المقصود . فالجواب من وجوهٍ : الأول : أن تعظيم الشرك بإيهام ذلك ، وإرادة ذلك الإيهام أمرٌ محال ، ولو صحَّ ، لكان قبيحاً ، لا يجوز على الله تعالى . أما أنه أمر محالٌ غير ممكن ، فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرَ الرسل بُعِثُوا والأرض طافحةٌ بالشرك ، داعين للمشركين إلى التوبة من الشرك ، وقد علم المشركون ذلك ضرورةً من أديان الرسل ، ولا يمكنُ إيهامُهم ذلك ، ولا يرتفع عنهم ذلك العلمُ الضروري إلاَّ بنصٍّ جليٍّ وذلك لا يجوز عند الخصم ، لقبحه عقلاً وشرعاً ، ولو ورد نصٌّ بذلك ، لكان فيه إفحامُ الرسل الداعين للمشركين إلى الإسلام ، وإلزامهم المناقضة . الثاني : أن نفي المغفرة لا يستلزم نفي قبول التوبة ، لأنهما متغايران لغةً وشرعاً ، بدليل قول الله سبحانه وتعالى : { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ } [ غافر : 3 ] ، { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } [ الشورى : 25 ] ، وإنما بَنَوا ذلك على زعمهم في تأويل الآية ، وهو ممنوعٌ من الأصل . الثالث : أن تشبيه الشرك بما لا يغفر بالتوبة لا يصح ؛ لعدم المشبه ، وعدم إمكانه ، فإنه ليس في الذنوب ما لا يغفر ، وشرط صحة التشبيه وجود مشبَّهٍ به وإمكانه ( 2 ) ، وقد صرحوا بذلك في توجيه كلام الزمخشري . الرابع : أن ذلك إيهامٌ قبيحٌ عقليٌّ على الله ، وذلك لا يصحُّ ، ولو صح ما
هامش
( 1 ) " تكون " ساقطة من ( ش ) . ( 2 ) في ( ف ) : " أو إمكانه " .