تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
ويكشف ربُّنا عن ساقه ، أي : رسول ربنا ( 1 ) ، وهذا النوع المسمى بالإيجاز عربي فصيحٌ ، ومنه قول جبريل عليه السلام : { لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيَّاً } [ مريم : 19 ] ، في أحد القراءتين ( 2 ) ، ومنه قول عيسى عليه السلام : { وأُحيي الموتى بإذن الله } [ آل عمران : 49 ] ، أراد : ويحيي الله الموتى عنه إن أريد ذلك . وانظر الفرق بين تأويلنا لهذا الحديث ، وتأويل : { وجاء ربك } ، أو : { يأتي ربك } ، أن يأتيهم الله ، فما ثمَّ فرقٌ أبداً إلاَّ أن هذه الألفاظ المؤوَّلة تكرَّرت في الحديث أكثر مما تكررت في الآيات . ومن المعلوم عند كل مُنصفٍ أن التأويل متى كان ممكناً في نفسه ، حسناً بالنظر إلى اللغة ، جاز تكريرُه ، وحَسُنَ ترديده ، لأن الشيء الحَسَنَ في نفسه لا يقبُحُ بتكريره ، وإلا لزم ألا يجوز للإنسان أن يكرِّرَ تلاوة : { وجاء ربُّك } قدر مراتٍ كثيرةٍ ، وما علمنا شيئاً يحسُنُ النطق به مرةً واحدةً ويقبُحُ تكريره . وأما نسبةُ الضحك إلى الله تعالى في بعض تلك الأحاديث ، فهو أسهل من هذا كله . وإن شئنا نسبناه إلى المَلَكِ الذي قدَّرنا أنه المراد ، ويكون الضحك على ظاهره ، والتجوز في إسناده ، وإن شئنا كان الإسناد إلى الله تعالى على ظاهره ، وجعلنا التجوز في الضحك لا في الإسناد ، فقد صح نسبة الغضب إلى الله تعالى ، وكذلك الرضا والعجب والضحك مثل هذه الأمور ، وقد اشتهر الضحك المجازي في لُغة العرب ، وشحن البلغاء أشعارهم بذكر ضحك البُروق
هامش
( 1 ) قلت : هذا التأويل مبني على صحة هذه اللفظة ، وقد علمت فيما مضى أنها منكرة وأن سعيد بن أبي هلال تفرد بها ، على أن ابن الأثير رحمه الله قد تأول هذه اللفظة في " النهاية " فقال في حديث القيامة : " يكشف عن ساقه " : الساق في اللغة الأمر الشديد ، وكشفُ الساق مثلٌ في شدة الأمر كما يقال للأقطع الشحيح : يده مغلولة ولا يد ثَمَّ ولا غل ، وإنما هو مثل في شدة البخل ، وكذلك هذا لا ساق هناك وكشف ، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمرٍ شديد يقال : شمَّر عن ساعده ، وكشف عن ساقه للاهتمام بذلك الأمر العظيم . ( 2 ) هي قراءة عامة القراء غير أبي عمرو وورش والحلواني عن نافع ، فإنهم قرؤوا : " ليهبَ لك " بالياء . أنظر " حجة القراءات " ص 440 .