تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
ومثل هذا إذا وقع حُكِمَ على صاحبه بالوهم حيث وهم ، ولم يُجرح بالمرة ، ويُطرح كل ما روى ، إلاَّ أن يكثر منه الوهم ، ويعرف بالبلة كما تقدم ، ومثل هذا إذا اتفق ، لم يبطل به علم الأثر ، فإنه لو بطل علم الأثر بمثل هذا ، لبطل أيضاً علم النظر بمثله ، فإن الخطأ قد يقع كثيراً من حُذَّاق النُّظَّار وأهلِ التحقيق في الكلام ، وتجد الأقوال الركيكة صادرةً عن أئمة علم المعقول ، فكما أن علم النظر لم ( 1 ) يبطل بذلك ، فكذلك علم الأثر لا يبطُلُ باتفاق الخطأ النادر ، ولو كان ذلك يقدح ، لحَرُمَ على الإنسان الرجوع إلى نفسه في كثير من المسائل والأحوال ، لأنه قد يعلم من نفسه أنه قد وهِمَ وغلِطَ ، والفطين يعلم أن ذلك جائزٌ عليه ، وإن لم يكن قد اتفق له ، مع أنه لا يوجد من لم يتفق له الوهم والخطأ ، ولأنه كان يلزم مثله في أحوال الدنيا ، فلا يعمل بخبر ثقةٍ أبداً ، لأنه قد ينكشف عليه الوهم في نادر الأحوال ، وذلك باطلٌ بالضرورة ، وخلاف إجماع العقلاء . فإن قلت : فرقٌ بين علم النظر والأثر ، فعلم النظر يجب الوصول فيه إلى العلم ، وبعد ذلك يحصلُ الأمان من الخطأ . قلت : هذا صحيح ، وعلم الأثر أيضاً قد حصل لنا العلم أن التكليف فيه بالظاهر المظنون دون القطع على الصحة في الباطن ، فمتى سلم لنا الظاهر ، فقد حصل العلم لنا أن قَبُولَه تكليفنا ، ولا يضرُّنا ما وقع من الثِّقات من الخطأ ، فمتى كثر وزال معه الظَّنُّ للصواب ، بطل التكليف بخبر من هذه حاله . إذا تقرر هذا ، فاعلم أنه لا يحل القطع بأن المحدثين تعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ذكره السيد ، وإن وجدنا في الحديث ما يُعلم قطعاً أنه لا ( 2 ) يصدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لاحتمال الوهم فيه أو التدليس عمن يقوى في الظن
هامش
= مسلم ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن عبد الرحمن ، ومروان الدمشقي فمن رجال مسلم . ( 1 ) في ( ش ) : " لا " . ( 2 ) في ( ف ) . " لم " .