تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
لأن معناه إنه كلامٌ بليغٌ لا سوى ، وكذا سائر ما يتجوز فيه لا يفهم السامع منه إلا المدح بالمعنى الصحيح ، دون ما يبدو من ظاهر لفظه ، وإنما قبح الكذبُ لما كان الكاذب يقصد ما ليس بصدقٍ ولا فهم ذلك منه السامع ، فوجب أن لا يصح من المجاز شيءٌ إلاَّ ما لم يدل على التجوز منه قرينة . وقد أكثرت من الشواهد على المبالغة في التجوز لما ادعى السيد أن حديث جرير بن عبد الله البجلي ( 1 ) وغيره مما لا يمكن تأويله إلاَّ بتعسُّفٍ ، فبالله قِسْ ( 2 ) ما مرَّ من التجوزات بحديث جريرٍ عند متأوِّليه ، وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى . المرتبة الرابعة : الوجود الشبهي ، وهي أن لا يكون نفس الشيء موجوداً ، لا بصورته ، ولا بمعناه ، لا في خارج ولا في حسِّ ، ولا في خيالٍ ، ولا في عقل ، ولكن يكون ( 3 ) الموجود شيئاً يناسبه في خاصةٍ من خواصه ، وصفةٍ من صفاته . قال الغزالي : مثاله الغضب والصبر ونحو ذلك ما ورد في حقه تعالى ، فإن الغضب ألمٌ يعرِضُ في القلب ، وانزعاجٌ يسكن بالتَّشفِّي ، فهو عرضٌ مؤذٍ يحُلُّ بالقلب عند شعوره ببعض الأمور ، وهذا لا ينفك عن نقصانٍ ، فمن قام عنده البرهان من أهل الكلام على استحالة ثبوت حقيقة الغضب في حق الله تعالى ثبوتاً ذاتياً وحسياً وعقلياً وخيالياً ، نزَّله منزلةً أخرى ، وتأويله بثُبوت صفةٍ لله تعالى غير الغضب يصدر منها ما يصدر عند الغضب ، وهي إرادة الانتقام وعدم العفو ، ولا شك أن وجود إرادة الانتقام ( 4 ) لا يصدق عليها في الحقيقة أنها الغضبُ ، لكن يصدق ذلك عليها مجازاً . وهذه المرتبة الرابعة مندرجةٌ في ضمن المجاز المتقدم ، ولكني أفردتها بالذكر على عُرْفِ المنطقيِّين في الفرق بين المجاز العقلي والمجاز الشبهي .
هامش
( 1 ) هو حديث الرؤية ، وقد تقدم تخريجه 5 / 343 . ( 2 ) في ( ف ) : " فسّر " . ( 3 ) " يكون " ساقطة من ( ش ) . ( 4 ) في ( ش ) : " الإرادة للانتقام " .