يَحِرْ جواباً ولا أحلى ولا أمر في الرَّدِّ على هشام مع جلالته ، وفضله وعلمه . وأما الزهري ، فإن هشاماً لما كذبه ، لم يتبلَّد في الجواب ، ولا داهن في الحق ، ولا سكت عن الصواب ، بل قال لهشامٍ : أنا أكذب لا أبالك ، والله لو ناداني منادٍ من السماء أن الله قد أحلَّ الكذب ما كذبت ، ثم سرد من حديثه بذلك من ثقات التابعين حتى أبطل دعوى هشامٍ وأسكته .
فإن قلت : لولا أن الزهري يُبْغِضُ أهل البيت لما ( 1 ) أقام مع من يبغضهم .
قلت : هذا لا يلزم ، فإن ابن أبي الحديد كان وزيراً لابن العلقمي الرافضي ، وابن أبي الحديد معتزلي معظمٌ للشَّيخين ، قائلٌ بتقديمهما في الإمامة على أمير المؤمنين ، وابن العلقمي مستحل لسبِّهما ، معتقد لرفضهما ، ولكن حاجة الناس إلى المال والجاه وقضاء الدين وصلة الأرحام تجرُّهم إلى مثل هذا ، وقد توفد عقيل بن أبي طالب على معاوية في خلافة علي عليه السلام لأجل الحاجة إلى المال ، وأقام جعفرٌ الطيار بين عُبَّاد الصُّلبان من النصارى سبع سنين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بين المهاجرين والأنصار في عِزٍّ ومَنَعَةٍ وعسكر ( 2 ) بغير ذمة ولا جوارٍ ، والإنسان يجد من نفسه أنه لا يفعل هذا ، ولكن ليس كل ما وجد الإنسان من نفسه أنه لا يفعله قَدَحَ به على الناس ، وإن كان مباحاً لهم ، واستدلَّ به على ما لا يدلُّ عليه من حيث تواطؤهم ، فتأمل ذلك ( 3 ) .
وثالثها : أن هشاماً لما عاب عليه أنه استدان ألفي ألفٍ ، قال له : علمت وأبوك أني ما استدنتها عليك ولا على أبيك ، وفي هذا الكلام خشونةٌ ظاهرةٌ ترفعه عن مقام الأجناد ، وخَساسة الخُدَّام ، فإن ذكر الآباء مُهيِّجٌ للغضب ، مثيرٌ للحمية من الكِبْرِ والعُتُوِّ ( 4 ) ، وإنما يذكر المخاصم أبا خصمه ليُغصِبَه بذلك ، وإلا فلا ملجىء إلى ذكر الآباء ، وهذا معلومٌ في العادة .
هامش
( 1 ) في ( د ) و ( ف ) : " ما " .
( 2 ) " وعسكر " ساقطة من ( د ) و ( ف ) .
( 3 ) " ذلك " ساقطة من ( ف ) .
( 4 ) في ( ش ) : " والعنف " .