ورُوِيَ عن أبي هريرة أنه كان إذا أعطاه معاوية ، سكت ، وإن لم يعطه ، تكلم ( 1 ) .
وكانت أرزاق الصحابة بعد صُلح الحسن عليه السلام من معاوية ، فإنه تولى ما كان يتولاه الخلفاء من قبله من بُيوت الأموال وأرزاق المسلمين ، وكانوا يُخالطونه ويحضُرُون مجلسه ، ولهذا نُقِلَ عنهم في الأحاديث الصِّحاح أنهم كانوا ينكرون عليه ما فعله من المنكر بحضرتهم ، ولو كانوا غائبين عن حضرته ، ما اتفق منهم ذلك على ذلك الوجه ، وذِكْرُ ذلك على التفصيل يطول .
ومِنْ أشهرِ ما يُذكر في هذا المعنى مخالطة علي بن موسى الرضا عليه السلام للمأمون بن هارون ، وسكونه في قصره ، واستنكاحُه ابنته لولده ، ورغبته في مُصاهرته ، واستمراره على ذلك حتى مات عليه السلام .
ومن ذلك ما رُوِيَ أن الإمام محمد بن إبراهيم صِنْوَ القاسم عليهما السلام ، وفَد على بعض البرامكة ، فرأى من كرمه وإكرامه أمراً عظيماً ، فأقسم أن لا يوفد أحداً بعده ، هذا وهو الذي كان القاسم عليه السلام من عُمَّاله ، وكان يقال : أعْظِم بإمامٍ القاسم بن إبراهيم عليه السلام من عماله .
ومن ذلك مصاهرة الإمام المنصور بالله عليه السلام للسلاطين بني حاتم ، وفي ديوانه عليه السلام ما لا مزيد عليه من الثناء عليهم ، والتأليف لهم بالتهاني والمراثي وأمثال ذلك من المُلاطفات ، وذكر إقامته معهم في ذي مرمر ، والشَّوق إلى عَوْدِ تلك الأيام ، وذكر طيبها على عادة الشعراء في الرَّقائق الشَّوقيَّة .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " 19 / 247 من طريقين ، عن الوليد بن بكر ، أخبرنا علي بن أحمد ، أخبرنا صالح بن أحمد ، حدثني أبي أحمد ، أخبرنا العلاء بن عبد الجبار ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب . . .
وأورده ابن كثير في " البداية والنهاية " 8 / 114 من طريق الإمام أحمد بهذا الإسناد ، وقد تحرَّف فيه العلاء بن عبد الجبار إلى عبد الأعلى بن عبد الجبار .