وأصرح من هذا قوله تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [ لقمان : 15 ] .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروفاً بين أرحامه من الكفار والمسلمين .
الفائدة الثانية : في الإشارة إلى من فعل شيئاً من ذلك ومن لم يفعله ، وهذه الفائدة تحتمل التوسيع الكثير ، ولكن لا فائدة فيه ، ولا طريق إليه ، فالاستقصاء لذلك يحتاج إلى استحضار كثيرٍ من كتب التواريخ ، والإشارة إلى الجُملة تكفي مع ذكر عيون ذلك إن شاء الله تعالى .
فأمَّا من لم يقع منه شيءٌ من ذلك ، فهم النادر من خواصِّ أهلِ الزهادة ، وأفرادهم الذين فرُّوا بأنفسهم من الفِتَنِ ، وصبروا على خشونة العيش ، ومفارقة الوطن ، وأكثر من اشتهر ذلك عنه ، وصح تنزهه من ذلك من أئمة العترة عليهم السلام الإمامان الزاهدان : القاسم والهادي وكثيرٌ من أهل البيت عليهم السلام ، ولذلك سبقا كثيراً مِمَّن قبلهما ، وفاتا من بعدهما ، ورجحا في ميزان التفضيل على جلة الأئمة ، وتميَّزا بالجلالة العظيمة عند عُلماء الأمة .
وفي الرواية المشهورة : أن المأمون بَذَلَ للقاسم عليه السلام وَقْرَ سبعة أبغُل ذهباً ، ويبتديه بكتابٍ أو يجيبُه عن كتابٍ ، فامتنع القاسم عليه السلام من ذلك ، ولامته زوجته على ذلك ، وله عليه السلام أشعارٌ في هذا المعنى ، منها قوله عليه السلام :
تقول التي أنا رِدْءٌ لها . . . وقَاءَ الحوادث دُون الرَّدى
ألسْتَ ترى المال منهله . . . مخارِم أفواهها باللُّهى
فقلتُ لها وهي لوَّامَةٌ . . . وفي عيشها لو صَحَتْ ما كفى
كفافُ امرئ قانعٍ قوتُه . . . ومن يَرْضَ بالقُوتِ نَالَ الغِنَى
ومنها قوله عليه السلام :
أسَركِ أنْ أكونَ رتع . . . - تُ حيثُ المالُ والبَهَجُ
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 205
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٢٠٥