فعلى العالم بأحوالهم أن يعتقد أن سكوته عن لعنهم لهذه العلَّة ، لا لأجل الحرمة ، ولكن لما وقعوا في المطلوب باللعن لم نطلب الحاصل ، الذي اللَّعن وسيلةٌ إليه ، كما أنهم لا يقاتلون بعد موتهم ، لأنَّ القتال دفعٌ لشرورهم ، وقد بطلت ، وبقي في اللعن لهم مفاسد في بعض الأزمان والأحوال خالية عن المصالح ، وهي أذى الأحياء ، كما أشارت إليه الأحاديث أو غير ذلك .
والقصد بالتطويل في هذا الإصلاح بين الفريقين : الشيعة والسنة ، الذين قد اتفقوا على قبح أفعال هؤلاء الفجرة ، فإنها قد تقع بينهم عصبيةٌ قبيحةٌ من غير موجبٍ أو بين بعضهم .
والمراد أن الشيعي يحمل من خالفه في الولع بالسَّبِّ الكثير لهؤلاء على ما يحمل عليه إبراهيم الخليل ، حيث جادل عن قوم لوطٍ الذين لا أخبث منهم مع الكفر العظيبم ، وتكذيب الرسل ، فما منع ذلك الخليل من الجدال عنهم ، حِلماً ورحمةً ورقةً ( 1 ) وسعة رجاءٍ في عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى ، لا محبة ( 2 ) لما هم عليه من الخبائث ، ولذلك مدحه الله على ذلك بقوله : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيب } [ هود : 75 ] ، وعلى ما يحمل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته على ابن أبي بن سلول واستغفاره له ، ويحمل السُّنِّي الشِّيعي حين يرى ولعه بسبِّهم ( 3 ) على أنه غضب لله ، وحمله على ذلك البغض في الله الذي هو من الإيمان ، كما بوَّب عليه البخاري في كتاب الإيمان من " الصحيح " ( 4 ) . وعلى ذلك دعا نوحٌ على قومه ، فقال : { ولا تَزِدِ الظالمين إلاَّ ضَلالا } [ نوح : 24 ] ، وقال : { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } ، إلى قوله : { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } [ نوح : 26 - 28 ] ، وعلى ما حملوا عليه عمر بن الخطاب في قوله لحاطبٍ
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " ورأفة " .
( 2 ) في ( ش ) : " محبته " .
( 3 ) في ( ش ) : " لسبهم " .
( 4 ) كتاب الإيمان ، الباب الأول . انظر " الفتح " 1 / 45 .