ومن ( 1 ) قصد من الطائفتين شيئاً من ذلك ، فقد ضلَّ وابتدع ، وخالف دليل العقل والسمع وإجماع السلف .
والذي أجمعت عليه فِرَق أهل السنة أن العبد غير مستقل بنفسه ، وذلك لما يجده العاقل من الضرورة والفطرة العقلية من شدة الحاجة إلى إعانة ربه عز وجل ومالكه له في كل أمر مع علمه الضروري بالتمكين وطلب الاستعانة من ربه فيه ، وعدم الهم والعزم فيما لم يُقدره الله عليه ( 2 ) ، وعدم الطلب للاستعانة ( 3 ) عليه .
ومن هنا قال الله تعالى في فاتحة الكتاب التي يقرأ بها كل مصلٍّ في فرائضه سبع عشرة مرة في كل يومٍ : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [ الفاتحة : 5 - 6 ] فطلب الإعانة والهداية أوضح دليلٍ على عدم الاستقلال والكفاية ، وعلى أن للعبد فعلاً يستعين بالله عليه ، ويحتاج في تمامه إليه ، ولا يمنع من ذلك ورود الأمر به في قوله تعالى : { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ هود : 123 ] .
فقد قال تعالى : { واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بالله } [ النحل : 127 ] فأمر سبحانه بالصبر ، ومنع استقلال أكمل عباده به .
وعلى ذلك نبَّه القرآن الكريم في قراءة " المخلَصين " بفتح اللام وكسرها في السبع المتواترة في غير آية من كتاب الله عزَّ وجلَّ وأمثال ذلك كما مضى في مرتبة الأقدار ( 4 ) .
واعلم أن مراد أهل السنة بخَلْقِ الأفعال المبالغة في تنزيه الرب سبحانه من الشرك في الخلق لقوله تعالى : { هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله } [ فاطر : 3 ] وليس غرضهم نفي حجة الله .
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ف ) : إن ، والمثبت من ( ش ) .
( 2 ) في ( ش ) : فيما لم يقدر عليه .
( 3 ) في ( ش ) : طلب الاستعانة .
( 4 ) في ( ش ) : الأفعال .