أفعال الله تعالى التي ينفرد بها ، وليس لهم فيها كسبٌ ولا اختيارٌ ، لما فيه من منافاة أغراضهم ، فكان بمنزلة رد موسى إلى أمه ، لأن الله تعالى نسبه إلى فعله ، حيث قال : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ } [ القصص : 13 ] مع أن ذلك الرد كان على يدي أخته .
وكذلك رميُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدرٍ في وجوه المشركين لما وقع له ذلك الموقع العظيم ، قال الله تعالى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } ( 1 ) [ الأنفال : 17 ] .
ونحو ذلك من أفعال العباد كثيرٌ يجري على أيديهم ، وهو منسوبٌ إلى الله تعالى في المعنى ، وهذا الالتقاط من ذلك القبيل ، هو فعل الله تعالى على يد آل فرعون .
والله تعالى بيَّن أن ذلك الالتقاط من ذلك القبيل ( 2 ) الذي قدره ويسر وأذن فيه ليكون لهم عدواً وحزناً .
فهذا تعليل فعل الله في الالتقاط الذي فعله آل فرعون ومراده ، لا تعليل فعلهم ومرادهم ، فقد بين سبحانه عنهم أنهم أرادوا أن يكون موسى لهم قرة عينٍ ، وأن ينفعهم أو يتخذه ولداً .
فاعجب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال ، ومنتهى ما فيه تسليم أن اللام في هذه الآية للعاقبة ، ولكن ذلك مجازٌ لا يجوز العدول إليه في سائر الآيات إلا لموجبٍ .
على أن ذلك يتعذر في كثيرٍ من الآيات ، كقوله تعالى : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ ص : 29 ] ، فإنا لو قلنا : إن اللام هنا للعاقبة ، لم تكن الآية دالة على الترتيب في تدبر كتاب الله تعالى ، وهذا
هامش
( 1 ) انظر ص 106 من هذا الجزء .
( 2 ) من قوله : " هو فعل الله تعالى " إلى هنا سقط من ( ش ) .