تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
فإذا ثبت بالنصوص والإجماع أن الشرك عمل ، فكيف لا يكون التوحيد عملاً ؟ ! وكما أن من عذبه الله تعالى من المشركين ، فقد عذبه بعمله ، فكذلك من أثابه الله من الموحدين ، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله . فبطل ظن من قال : إن الرجاء يؤدي إلى أن الإيمان قولٌ بلا عمل ، أو إلى أن الجنة تُدخل بغير عمل ، وقد عظَّم الله القول الثابت بقوله : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } [ إبراهيم : 27 ] . واعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدخل بعملٍ كما ورد في القرآن ، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تستحق على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها ، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري . فمرجع النزاع في أن الباء التي في قوله تعالى : { بما كنتم تعملون } [ النحل : 32 ] هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه ، مثل الثوب بالدرهم ، أو هي باء السببية ، كقولك : أكرمني الملك بسابق معرفةٍ ، أو بكلمة طيبة سمعها مني ، أو نحو ذلك ؟ والقرآن إنما نص على العمل ، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي ، ولو قال أهل السنة بعدم العمل ، لجوزوا الجنة للمشركين ، فاعرف هذه النكتة . وقد ظهر أن الخلاف إنما هو في كيفية الجمع بين الآيات والأخبار ، وظهر عند كل منصفٍ وعارفٍ قصور العمل عن الوفاء بنعم الله وشكره ، وما يحق له ، كما قال : { وما قدروا الله حق قدره } [ الأنعام : 91 ] . ويلحق بهذا النوع جميع ما احتج الله تعالى به من البراهين على التوحيد ، وأنزله من الكتب ، وأرسله من الرسل ، فإنه معلومٌ أن الحكمة فيها والداعي إليها هو إقامة الحجة البالغة ، كما ورد في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .