تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
فهؤلاء الأنبياء ، فكيف غيرهم ؟ ! الوجه الثاني : لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله بالمعاوضة ، لأن العمل حقيرٌ ليس يُستحق بمثلِه مثلُ الجنة لو رجعنا إلى العوض المحقق ، والباء في قوله : { بما كنتم تعملون } [ النحل : 32 ] ، باء السببية ، فالأعمال سبب ذلك الفضل العظيم ، والباء في السببية ظاهرةٌ شهيرةٌ ، وقد تكون الأسباب عللاً في التفضل . وقد جمع الله الأمرين في قوله تعالى : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الأعراف : 43 ] . الوجه الثالث : ما ذكره سفيان وغيره ، قال : كانوا يقولون : النجاة من النار بعفو الله ، ودخول الجنة برحمته ، وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال . ويدل على هذا حديث أبي هريرة ، وفيه " أن أهل الجنة إذا دخلوها ، نزلوا فيها بفضل أعمالهم " . رواه الترمذي ( 1 ) . وقد دل على ذلك ما لا يُحصى من كتاب الله ، مثل قوله تعالى : { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا } [ الإنسان : 12 ] . ومثل قوله : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } [ يونس : 4 ] . والتحقيق أن مقدار الأجر المستحق على تقدير وجوبه غير معروفٍ عقلاً ، فجائز أن يكون حقيراً لو بيَّنه الله ، وقد سمى الله الجنة فضلاً ، فلا موجب لتأويله ، لأنه عز وجل جعلها جزاء عملٍ حقيرٍ كرماً فضلاً ، ولو لم يزد على القدر المستحق على تقدير صحته ، لكان ما لا قدر له ولا نفع .
هامش
( 1 ) برقم ( 2549 ) . ورواه أيضاً ابن أبي عاصم في " السنة " ( 585 ) و ( 587 ) ، وابن ماجة ( 4336 ) ، وابن حبان ( 7438 ) وإسناده ضعيف . وانظر " صحيح ابن حبان " ، فقد فصلنا القول فيه هناك .