مُنتَظِمَةً لكل واحدٍ من الطرفين ، ارتفعت عن تقصير الجبربة ، وانحطت عن غُلُوِّ القدرية .
إلى قوله : وقد رُوِيَ عن جعفر بن محمد عليه وعلى آبائه السلام أن رجلاً قال له : العباد مجبُورُون ؟ فقال : الله عزَّ وجلَّ أعدَلُ من أن يُجبِرَ عبده على معصيته ، ثم يُعَذِّبَه عليها ، فقال له السائل : فهل أمرُهم مُفَوَّضٌ إليهم ؟ فقال : الله أعزُّ من أن يُجَوِّزَ في مُلكِهِ ما لا يريد ، فقال له السائل : فكيف ذاك إذاً ؟ قال : أمرٌ بين الأمرين ، لا جَبْرٌ ولا تفويضٌ .
فبنى أهل السنة تفريع مقالتهم هذه على أصل الغَرَض منه أن لله تعالى علم غيبٍ سَبَقَ بكلِّ ما هو كائن قبل كونه ، ثم خلق الإنسان فجعل له عقلاً يُرشِدُه ، وقدرةً يصح بها ( 1 ) تكليفه ، ثم طوى علمه السابق عن خلقه ، وأمرهم ونهاهم ، وأوجب عليهم الحجة من جهة الأمر والنهي الواقعين عليهم ، لا من جهة علمه السابق فيهم ، فهم يتصرفون بين مطيع وعاصٍ ، وكلهم لا يعدو علمه السابق فيهم ( 2 ) ، وليس في علم الله الأمور إجبارٌ على ما توهَّمَه المُجبِرُون ، ولا تَتِمُّ الاستطاعة على ما يهُمُّ به من الأمور إلاَّ بأن يُعينه الله عليه ، فإن عصمه مما يَهُمُّ به من المعصية ، كان فضلاً ، وإن وَكَلَه إلى نفسه ، كان عدلاً ، فإذا اعتبرت حال العبد من جهة الإضافة إلى علم الله السابق فيه ، وجدته في صوره المُجْبَر ، وإذا اعتبرت حاله من جهة الإضافة ( 3 ) إلى الاستطاعة المخلوقة له ، والأمر والنهي الواقعين عليه وجدته ( 4 ) في صورة المُفَوَّض ، وليس هناك إجبار مُطلَق ، ولا تفويضٌ مُطلَق ، إنما هو أمرٌ بين أمرين يَدِقُّ عن أفكار المُعَبِّرِين ، ويُوِلهُ أذهان المتولِّهين ، وهذا ( 5 ) ما أشار إليه أهل السنة من قولهم : إن العبد لا مُوثَقٌ ولا مُطلَقٌ .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : بهما .
( 2 ) " فيهم " سقطت من ( ش ) .
( 3 ) من قوله " إلى علم الله السابق " إلى هنا سقط من ( أ ) و ( ف ) .
( 4 ) في ( أ ) : وجد .
( 5 ) في ( ش ) : وهذا معنى .