الوجه الرابع : أنها قد جاءت ألفاظٌ صحيحة شهيرةٌ على خلاف هذه القاعدة التي في اشتراط الإثبات في المشتقات ، وقد حضرني منها اثنتان وعشرون لفظةً منها : التَّحنُّث والتحنُّف والتحرُّج والتَّأثُّم والتَّحوُّب والتهجد والتنجُّس ، وهو فعل ما يُخرِجُ عن الحِنث ، والحَنَف والحرج والإثم والحَوْب والهُجُود . ذكر ذلك كله الثعالبي في " فقه اللغة " ( 1 ) وغيره من أئمة اللغة .
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة " وحُبِّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء ، فيتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد " ( 2 ) .
قال الجوهري في " الصحاح " ( 3 ) : تحنَّث : تعبَّد واعتزل الأصنام ، مثل تحنَّف ، وفلان يتحنَّث من كذا : أي يتأثم منه .
قال ( 4 ) : والحنيف : المسلم ، والحَنَف : الاعوجاج ، وقد يُسمى المستقيم بذلك كما سُمِّي ( 5 ) الغراب أعور ، وأنشد الجوهري قول جِرَان العَوْد ( 6 ) :
ولما رأينَ الصُّبْحَ بادَرْنَ ضوءَهُ . . . رَسِيمَ قَطَا البَطْحاء أو هُنَّ أقطَفُ
وأَدرَكْنَ أعجازاً من الليل بعدما . . . أقام الصلاةَ العابِدُ المُتَحنِّفُ
وقوله : سُمِّي ( 5 ) الغراب أعور ، إشارة إلى ما ثبت أنهم يقولون له ذلك لحدة
هامش
( 1 ) انظر ص 331 منه وفيه : فلان يتنجس : إذا فعل فعلاً يخرجه من النجاسة .
( 2 ) البخاري ( 3 ) ، ومسلم ( 160 ) . وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " ( 33 ) .
( 3 ) 1 / 280 ( حنث ) .
( 4 ) 4 / 1347 ( حنف ) .
( 5 ) في ( ف ) : يسمى .
( 6 ) قال صاحب " خزانة الأدب " 10 / 18 : وجران العود لقب شاعر من بني ضِنَّة بن نمير بن عامر بن صعصعة . والجِران - بكسر الجيم - والعَود - بفتح العين المهملة وسكون الواو وآخره دال مهملة - : هو المسنُّ من الإبل . =