والله أعلم .
ثم أن العقوباتِ لا تخلو من الحكم والغايات المرجِّحة الحميدة ، المرجحة لها على العفو كالانتقام لأولياء الله تعالى مرةً ، والموعظة لهم أخرى ، قال الله تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [ غافر : 51 ] ، وقال : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم } [ التوبة : 14 - 15 ] ، وآخرها مثل قوله : { وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ التوبة : 26 - 27 ] .
وهذا تخصيصٌ لعموم مفهوم { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم } كما خصه الله في آخرها بقوله : { إلاَّ الَّذين تابُوا } ، وفي قوله : { والله عليمٌ حكيم } تعليل التخصيص بالحكمة والعلم لا بمجرد الاتفاق كما ذلك يعلل به في آخر آية المُرْجَين لأمر الله في سورة التوبة [ 106 ] .
وقال : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين } [ البقرة : 66 ] وهذا يعمُّ عقوباتهم كلها سواء كانت بالحرب في الدنيا ، أو بالأمراض ، أو بعذاب الآخرة ، أو بالإضلال المُؤدي إلى ذلك ، وهو مشهورٌ في كلام علماء الإسلام حتى في كلام أئمه الزيدية ، ففي كلام المنصور بالله عليه السلام مع شدته في الرد على الجبرية ما لفظه في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } [ الأنعام : 125 ] ، والعقوبة يجوز إنزالها بالمستحقين ويجوز تقديم شيءٍ منها في الدنيا كما فعل بالمستهزئين ( 1 ) .
وكذلك قوله ( 2 ) تعالى : { وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } [ المائدة : 41 ] قال : فالمراد بذلك تنزيهُها ( 3 )
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بالمنتقمين .
( 2 ) في ( ش ) : وكذلك قال في قوله .
( 3 ) في ( أ ) : بتنزيهها .