تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
نقصٍ لذاته ، ولا يُمكنُ أن يحسُنَ العجز لوجه حكمةٍ خفي ، وهذه رتبة يرتفع عنها أكثر الوُعَّاظ من العباد العجزة ، كيف القادر على كل شيء الذي إذا أراد إيجاد أعظم المخلوقات ، فإنما يقول له : كن فيكون ، فكيف يعجز عن تقليب قلوب عباده ؟ ! وقد صح أنه يقلِّبُها كيف شاء ، حتى استعاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تقليب قلبه الكريم ، وكان يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ( 1 ) . فيا عجباه كيف أمكن تقليب خير القلوب إلى الشر الذي هو ضِدُّ الفطرة التي فُطِرَ الناس عليها ، ولا يمكن تقليبها إلى الفطرة ، وأيُّ عقل أو سمع دل على هذا دلالة قاطعة ، أو أشار إليها إشارةً خفية ، فالله المستعان . وما أشبه اعتذار المعتزلة للرب بتعجيزه تعالى عن ذلك باعتذار القدرية للرب بتجهيله عز وجل عما يقولون عُلُوَّاً كبيراً ، وكان يلزم المعتزلة مثل مقال القدرية ، نعوذ بالله من الخذلان . وثانيهما : إيجاب إرادة حصول ما علم الله أنه لا يحصُلُ علماً قاطعاً ، ومن جَوَّز هذا على الرب الحكيم لزمه أن يجوز عليه الأماني التي أجمع المسلمون على أنها لا تجوز على الله تعالى لأنها عبارةٌ عن إرادة ما يعلم أنه لا يكون . وقد أجمع العقلاء على ذمِّ التشاغُلِ بها ، وسمَّوها بضائع الحمقى . وقال الحكيم : مَنْ كان مَرْعَى عَزْمِه وهُمُومِه . . . رَوْضَ الأماني لم يَزَلْ مَهْزُولا ( 2 ) بل هذا أقبحُ من الأماني ، لأن المتمني قد عصمه عقله من الطمع في حصول مُناه ، فكيف إذا تضرَّر بسببه سواه ؟ ! وحصل بسببه نقيض رجواه ؟ ! وكان ذلك كله معلوماً له سبحانه وتعالى فأصبحوا كما قيل :
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه 2 / 271 - 272 . ( 2 ) هو لأبي تمام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي . وهو في " ديوانه " و " زهر الأكم " لليوسي 3 / 193 .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 367 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )