تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
أطلب ذلك في مقدار أربعين سنة ، فما وقفتُ عليه مع طولِ الطلبِ حتى جاوزت الستين سنة ، وراجعتُ شابّاً لم تَنْبُتْ لحيتُه من أهل حضرمَوْت في مسألة الأفعال ، وجعلت أفهمه مذهب الأشعرية ، والفرق بينه وبين مذهب الجبرية خوفاً عليه من اعتقاد الجبرية ، وأنا أظنُّ فيه بُعد الفَهم ، فجاءني بهذه اللطيفة ، وقال : إنهم يذكرون أن لله تعالى حُجتين : حجة باطنة ، وحجة ظاهرة ، فالباطنة في الأقدار ، والظاهرة في الأعمال . فعجبت من ذلك كثيراً وعَلِمتُ ( 1 ) أن الفضل بيد الله يُؤتيه من يشاء . ومما يوضح ذلك ما ثبت من تقديره تعالى لمقادير وقع معها ( 2 ) خروج آدم من الجنة على جهة العقوبة بذنبه ( 3 ) الذي اختاره ، ولا عُذْر له فيه ، وإنما خرج لما ( 4 ) لله تعالى في خروجه بذنبه من الحِكمة ، وإلا فذنوب الأنبياء صغائر مغفورة ، وقد تاب آدم ، وتاب الله عليه مع كون ذنبه صغيراً قبل التوبة مع أن الله تعالى قد كان قدَّر أن آدم خليفة في الأرض ، وخلقه لذلك ، كما أخبر به الملائكة في نص القرآن . يوضحه أن الذنوب لا تصلُحُ على انفرادها في العقل [ أن تكون ] موجبة للعذاب في حق الرب سبحانه ، وإن كان يصلح لذلك في حق غيره ، كما هو مذهب البغدادية من المعتزلة ، لأن حسن العذاب عليها من قبيل ( 5 ) الإباحة المستوية الطرفين ، بل المرجوحة إذا خَلَتْ عن الحكمة ، لأن العفو أفضل بضرورتي المعقول والمنقول ، فلولا أن فيه حكمةً بالغة سابقة لتقدير الذنوب ما فعله أحكم الحاكمين ، وأرحم الراحمين ، وأكرم الأكرمين بمجرد كونه مستحقاً مُباحاً مع تطابق شرائعه وأوامره على ترجيح العفو والصبر ، وكظم الغيظ ، وتلك الحكمة هي التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله .
هامش
( 1 ) ليست في ( ش ) . ( 2 ) في ( ش ) : " بعضها " ، وهو خطأ . ( 3 ) في ( ش ) : على الذنب . ( 4 ) في ( ش ) : بما . ( 5 ) في ( ش ) : قبل .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 362 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )