تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
الصالح ، وهذا غرضٌ مستدرك ، فأخبرهم عزَّ وجلَّ بما معناه أنه لم يَعْجَزْ عن هذا في الابتداء حتى يستدركه في الانتهاء ، ولكنه حق منه القول في الابتداء بدخولهم النار لحكمةٍ راجحةٍ ، ثم ضمَّ إليها الحجة بالعمل زيادة في العذر والعدل ، كما كتب الأعمال ، وأشهد الملائكة ، ونصب الموازين ، وعلمه الحق ثم علمهم مغنٍّ عن جميع ذلك . وقد كرر الله حجته الباطنة ، وأكدها في الابتداء كثيراً ، وفي الانتهاء بنحو { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا } [ الأنعام : 28 ] ، وكذلك ما تقدم من الآيات التي في سورة الإسراء إذا تأمَّلتها من أولها وجدتها جامعةً للحجتين ، حيث قال تعالى : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [ الإسراء : 13 ] أي : ما عَمِلَ من خيرٍ أو شرٍّ ، وقيل : حظه المقضي له من خير أو شر ، وهذا هو القدر ، وهو الحجة الأولى السابقة ، ووجه الاحتجاج به أنه فعل حُكمه ( 1 ) ، ثم أتبعه بالحجة الظاهرة ، فقال : { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ( 13 ) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } إلى قوله : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 13 - 15 ] ثم بين الحكمة في الرسل في حق من علم هلاكه ، فعقَّب ذلك بقوله : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } [ الإسراء : 16 ] . ثم بيَّن بعد هذا ( 2 ) أن علمه بذنوب عباده أبلغ كافٍ لكنه زاد ذلك لقطع العُذر وزيادة الحجة ، فقال : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } [ الإسراء : 17 ] . والجمع بين الحجتين كثيرٌ في كتاب الله تعالى لمن تأمله فلله الحمد والمشيئة والحكمة والحجة . وقد كنت أظن أنه لم يسبقني أحدٌ إلى ذكر ( 3 ) هاتين الحجتين ، لأني لم أزلْ
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فعل حكيم . ( 2 ) في ( ش ) : بعدها . ( 3 ) ليست في ( أ ) .