وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُون } [ الأنعام : 111 ] .
وقال الحسن في موضعٍ آخر : فإذا أراد الله بعبدٍ إرادةً في الامتنان والتوفيق ، ألهمه التقوى ، وحبَّب إليه الإيمان ، وزيَّنه في قلبه ، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان ، ووفَّقَه للعمل الصالح منَّاً من الله ورحمة يختص بها من يشاء من عباده ، ويُفَضِّلُ بعضهم على بعض كيف يشاء من غير استحقاق ، وأعطى الأنبياء من خزائن رحمته وتفضُّله ومَنِّه وتوفيقه ، وخصَّهم برسالته ، ورفعهم على خلقه منَّاً منه ورحمةً وفضلاً ، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ، ولله ملك السماوت والأرض وما فيهما ، فهم في ملكَتِه ، والقدرة محيطة بهم ، يفعل في عبيده ما يشاء ، ويملك حياتهم ، وموتهم ، وأرزاقهم ، وحركتهم ، ومنطقهم ، وشهوتهم ، وقلوبهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، فليس يتحرك متحركٌ ، ولا يطرِفُ طارفٌ ولا ينطِقُ ناطقٌ إلاَّ وهو في ملكته والقدرة محيطة بهم ، وعلم الله وتقديره ومشيئته سابقة فيهم قبل خلقهم ، قال الله تعالى : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } [ النور : 21 ] فالحجة من الله على المطيع والعاصي ، وما يتفَضَّل به على العباد من العفو أكثرُ من العقوبة ، قال الله : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة } [ فاطر : 45 ] ، وقال : { ويَعْفُو عن كثيرٍ } [ الشورى : 34 ] .
وليس للعباد على الله سبحانه أن يخلقهم ، ولا لهم عليه أن يَهْدِيَهم ، فكُلُّ خيرٍ ناله العباد من الله ، فإنما هو بمنِّ الله وفضله ، وإنما خلق الله العباد عبيداً مماليك يملِكُهم ، ويملِكُ جميع ما حولهم ، وبالخلق إلى الله الحاجة في كل وقت ، والله الغني عنهم وهم الفقراء إليه ، وقال : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } [ النحل : 75 ] ، وقال : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه } [ الكهف : 23 - 24 ] وقال : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون } [ الأنبياء : 23 ] .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 319
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٣١٩