إنِّي إليك لما وَعَدْتَ لَنَاظِرٌ . . . نَظَرَ الفقيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ ( 1 )
فإن قيل : إن النظر إذا عُلِّق بالوجه ، وعدي ب " إلى " ، كيف يراد به الانتظار ؟
قلنا : إن ذلك غير ممتنعٍ ، وعلى هذا قول الشاعر :
وجوه يوم بدر ناظرات . . . إلى الرحمن يأتي بالخلاص
على أن " إلى " في الآية - على ما قيل - ليس بحرف جرٍّ ولا حرف التعدية ، وإنما ، هو واحد الآلاء التي هي النعم ، فكأنه تعالى قال : وجوهٌ يومئذٍ ناضرة ، نعمة ( 2 ) ربها ناظرة أي منتظرة ، ونِعمَه مترقِّبة .
وقد أجاب شيخنا أبو عبد الله البصري بأن النظر إذا كان بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة تعدَّى ب " إلى " وكذلك إذا كان بمعنى الانتظار ، ولا يمتنعُ أن يُعدّى ب " إلى " ، لأن المجازات يُسلك بها مسلك الحقائق ، وهذه إشارةٌ إلى أن النظر بمعنى الانتظار مجازٌ ، وحقيقته ( 3 ) : تقليب الحَدَقَة الصحيحة ، وليس كذلك ، لأن النظر لفظةٌ مشتركةٌ بين معانٍ كثيرةٍ على ما مرّ .
وبعد : فإذا جاز تعليق ( 4 ) النظر بالعين ، ويراد به الانتظار ، جاز أن يُعلَّق بالوجه أيضاً ، ويُراد به الانتظار . ومعلوم أنهم يعلقون ( 5 ) النظر بالعين ، ويُعدُّونه ب " إلى " ، ويريدون به ( 6 ) الانتظار . وعلى هذا قال ( 7 ) الشاعر :
يَراه على قُرْبِ وإن بَعُدَ المدى . . . بأعيُنِ آمالٍ إليك نَوَاظِرِ
على أن الوجه ها هنا ليس بمقصودٍ ، وأن المقصود صاحب الوجه ، كما قال
هامش
( 1 ) أنشده القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " 19 / 109 ، ولم ينسبه لأحد .
( 2 ) في " شرح الأصول " : آلاء .
( 3 ) في ( ب ) : وحقيقة .
( 4 ) في ( ج ) و ( د ) : تعلق .
( 5 ) في الأصول : " لا يعلقون " ، والمثبت من " شرح الأصول " .
( 6 ) ساقطة من ( ب ) .
( 7 ) في ( ج ) : قول .