عليه ، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربَّه تعالى أن يُرِيَه كيف يحيى الموتى ، لم يُنكر عليه ، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء ، لم ينكر عليه ( 1 ) ، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّه نجاه ابنه ، أنكر عليه سؤاله ، وقال : { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 46 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } [ هود : 46 ، 47 ] .
الوجه الثالث : أنه أجابه بقوله : { لن تَرَاني } ، ولم يقل : إنِّي لا أُرى ، ولا : إني لست بمرئيٍّ ، ولا يجوزُ رؤيتي . والفرق بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّله ، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئيٌّ ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته ( 2 ) في هذه الدَّار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى . يوضحه ( 3 ) . . . .
الوجه الرابع : وهو قوله : { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } [ الأعراف : 143 ] ، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجلِّيه في هذه الدَّار ، فكيف بالبشريِّ ( 4 ) الضعيف الذي خُلِقَ من ضعفٍ .
الوجه الخامس : أن الله سبحانه قادرٌ على أن يجعل الجبل مستقرَّاً مكانه ، وليس هذا بممتنع ( 5 ) في مقدوره ، بل هو ممكن ، وقد علَّق به الرؤية ، ولو كانت مُحالاً في ذاتها ، لم يعلِّقها بالممكن في ذاته ، ولو كانت الرؤية مُحالاً ، لكان ذلك نظير أن يقول : أن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام ، فالأمران عندكم سواءٌ .
الوجه السادس : قوله سبحانه : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } وهذا
هامش
( 1 ) في ( ب ) : عليه سؤاله .
( 2 ) في ( ش ) : ولا رؤيته .
( 3 ) في ( أ ) : لو صحت .
( 4 ) في ( ش ) و " حادي الأرواح " : بالبشر .
( 5 ) في ( ب ) : الممتنع .