وذلك من خلال كثرة عبادته وخشوع سجوده، ودعائه، فقد اشتهر بزين العابدين وسيد الساجدين، وحيث أن الإمام ابنه محمدًا استخرج العلوم من الباطن الى الظاهر وعرضها على الناس فقد كان الباقر الذي بقر بطن العلوم. ومثله ابنه جعفر الصادق، فإن كان يتردد بعض أتباع مدرسة الخلفاء في قبول حديثه (لكثرته وتشعبه وتفصيله) فقد كان ينبغي أن يعرفوا أنه (الصادق) الذي لا يتخطى علمه وحديثه الواقع ولا يتباعد عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.. وهكذا بالنسبة إلى سائر الأئمة عليهم السلام.
بالطبع لا نريد أن نقول إن هذا الأمر شيء نهائي و(جامع مانع) أو على طريقة المعادلات الرياضية وإنما هو كذلك في الغالب.
وعلى أي حال فإن لقب (عالم آل محمد) لا بد أنه يشير إلى قدرة علمية متميزة كانت لدى الإمام الرضا عليه السلام ، كما يشير إلى أنه قد انتشر عنه من العلم والمعرفة الدينية ما يناسب ذلك اللقب.
ولهذا فإننا نعتقد صحة ما قاله بعض الباحثين من أن مدرسة الإمامية العقدية والفقهية، مرت بثلاث مراحل مهمة في تاريخ الأئمة:
الأولى: في زمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : حيث أن أمير المؤمنين كان «باب مدينة علم النبي» وكان «يحتوي على مكنون علم لو أصاب له حملة »، وأنه «أقضاهم» و«أعلمهم» فهو مستودع علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أخرج هذا العلم بمقدار ما كان يسمح له الظرف من وجود المتلقي المناسب، والقدرة العامة على تفهم كلماته عليه السلام ، وهذا ما يلحظه الناظر في نهج البلاغة من خطبه وكلماته. بل وقد تكلم في مباحث علمية كانت - في أكثر أبعادها - أرقى من عقول معاصريه[54]، لكنه تركها لمن بعده ممن ينتفع بها. وأنه لو واتته الظروف بنحو أفضل فحيث أنه عنده «علم الأولين والأخرين، لحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينادي كل كتاب بأن عليًّا حكم بحكم الله فيّ»[55].
والثانية: كانت في زمان الإمامين محمد الباقر وابنه جعفر الصادق عليهما السلام، فإنه في زمانهما انتشر عنهما علم كثير وأخذ عنهما العلماء، في فنون العلم المختلفة ما لم يكن معهودا قبلهما، حتى لقد
هامش
54 العجيب أن بعض المتأخرين من مدرسة الخلفاء ممن شككوا في نسبة نهج البلاغة للإمام عليّ عليه السلام، رأوا أن في علو مستواها عن عصر الإمام دليلا! على أنها ليست له وإنما قد تكون لمثل الشريف الرضي أو غيره، فهم استكثروا على الإمام الخوض في مطالب لم يستكثروها على الشريف الرضي.. فتأمل وتعجب!
55 ومن أراد التفصيل في سيطرة الإمام على العلوم المختلفة وبثه إياها في الأمة، فليرجع إلى مقدمة ابن أبي الحديد في كتابه شرح النهج.