بين تعليق الحكم بالصفة وبينه إذا علق بشرط فاسد لما بيناه فيما تقدم من هذا الكتاب .
وثالثها : ان ما يرتفع التنازع فيه لا بد من أن يكون مردود إلى الكتاب والسنة ، لأنهم لا يجمعون الا عن دليل ، ولا يخلو ذلك الدليل من الكتاب والسنة ، فكأنهم في حال وجود التنازع يجب عليهم الرد وعند ارتفاعه يكون قد ردوا ، فلا فرق بين وجود التنازع وبين ارتفاعه .
[ الصفحة 624 ]
ورابعها : ان المراد بالآية انه يجب الرد إلى الكتاب والسنة فيما طريقه العلم ، لأنه لو كان فيما طريقة العمل وكان المنازعون مجتهدين فيما تنازعوا فيه لم يجب عليهم الرد ، وانما يجب عليهم الرد على كل حال إذا كان ما اختلفوا فيه لا يسوغ الخلاف فيه . وهذه جملة كافية في ابطال التعلق بهذه الآية . واستدل بعضهم على صحة الإجماع بقوله :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
« 1 » .
قالوا : فأخبر اللّه تعالى ان فيمن خلق أمة تهدى بالحق ، وهذا يؤمننا من اجتماعهم على ضلال وكفر . والكلام على هذه الآية أيضا من وجوه :
أحدها : انه اخبر عمن خلق فيما مضى لان قوله :
( خَلَقْنا )
يفيد المضي في الأزمان ، فمن اين لهم ان ذلك حكمهم في المستقبل من الزمان ؟ وليس لهم ان يقولوا : ان قوله :
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
يفيد الاستقبال . ذلك ان هذه اللفظة تصلح للحال والاستقبال ، وإذا صلحت لذلك فلا يمتنع أن يكون أريد بها الحال ، فكأنه قال : ( ممن خلقنا أمة هادية بالحق عادلة به ) .
وثانيها : ان قوله : ( أمة ) يقع على الواحد وعلى جماعة ، ويقع على جميع الأمة على وجه الاستغراق ، الا ترى ان اللّه تعالى وصف إبراهيم عليه السّلام بأنه كان أمة وهو واحد ، وقال :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ
« 2 » أريد به جماعة ، وإذا كان الامر على ذلك فمن اين للخصم ان المراد به جميع الأمة ؟ .
وثالثها : انه لا يمتنع أن يكون أراد تعالى بقوله أمة النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أو من يجرى قوله مجرى قول النبي صلّى اللّه عليه وآله في كونه حجة [ الصفحة 625 ] وموجبا للعلم ، وإذا احتمل ذلك لم يكن للخصم الاحتجاج بالآية .
واستدلوا أيضا على صحة الإجماع : بما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : « لا تجتمع أمتي على
هامش
( 1 ) الأعراف : 181 .
( 2 ) القصص : 23 .