بالحكم فيجب التعويل عليه وإن عوّلنا على الآيات فمنها آية الإنذار والتحذير عن الكتمان ولا ريب في تناولهما للمقام فإنّ التفقه في الدين والاطلاع على الأحكام كما يكون بطريق الحسّ كذلك يكون بطريق الحدس وقضية وجوب البيان على الإطلاق وجوب القبول على الإطلاق إلا ما قام الدليل على خلافه مضافا إلى ما في ذيل الآية الأولى من الأمر بالحذر وهو في معنى الأمر بالقبول .
ومنها آية النبأ فهي وإن كانت عندنا غير مساعدة على قبول خبر العادل إلا أن جماعة ذهبوا إلى دلالتها على ذلك بالمفهوم وعلى تقديره يتناول المقام أيضا فإن ناقل الإجماع منبئ عن قول المعصوم عليه السّلام فيجب قبوله ، واعترض بأنّ النبأ وما يرادفه كالخبر إنما يطلق على نقل ما استند إدراكه إلى الحسّ كالسّماع والمشاهدة وبهذا فارق الفتوى فإنها عبارة عن نقل ما استند إدراكه إلى الدليل والحجة ، وأمّا ما يقال من أنّ الخبر ما كان له نسبة تطابقه أو لا تطابقه أو قول يحتمل الصّدق والكذب أو نحو ذلك فمبني على اصطلاح مستحدث لأن المسائل المدونة في العلوم لا تعدّ أنباء وأخبارا ، وضعفه ظاهر لأنه إن أريد أنّ النبأ لا يطلق إلا على الأشياء التي من شأنها أن تدرك بالحسّ وإن أدركها المخبر بطريق الحدس وشبهه ، فهذا ممّا لا ينافي المقصود فإن المخبر عنه هنا قول المعصوم عليه السّلام أو فعله أو تقريره وهو أمر من شأنه أن يدرك بالحسّ وإن كان طريق الناقل إليه الحدس وإن أريد أنه لا يطلق النبأ إلا على ما كان علم المخبر به بطريق الحسّ فواضح الفساد للقطع بأن من أخبر عن إلهام أو وحي أو مزاولة بعض العلوم كعلم النجوم يعد منبئا ومخبرا ، قال اللّه تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
ولا ريب أن إخباره عليه السّلام لم يكن عن حس ومثله قوله تعالى في غير موضع
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *
فإنّ علمه تعالى ليس عن حسّ وقوله تعالى
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
فإن كونه تعالى هو الغفور الرّحيم ليس أمرا حسيّا وقوله تعالى
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
بعد
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
فإنّ التحريم ليس أمرا حسيّا إلى غير ذلك .
وكذا الكلام فيما دل على حجية خبر الواحد من الأخبار لما عرفت من شمول الخبر ومرادفاته لنقل الإجماع وإن كان المستند وجوب التمسّك بالعترة عليه عليهم السّلام الصّادق على التمسّك بالأخبار المأثورة عنهم عند تعذّر الوصول إليهم فهذا مما يتساوى فيه الخبر المستند إلى الحسّ والمستند إلى الحدس ، ودعوى صدق التمسّك على النوع الأول دون الثاني مجازفة .
وقد يستدل على حجيته نقل الإجماع بأن الإجماع من الحجج الشرعية الثابتة في نفس الأمر