المسلك الثاني في نفسه غير صحيح ؛ لأنّه مورد لإشكالين : إشكال مبنائيّ وإشكال آخر :
أمّا الإشكال الأوّل : فهو أنّه ماذا يقصد السيّد الأستاذ - دامت بركاته - بقوله : إنّ « زيد عالم » يدلّ على قصد الحكاية ؟ فإن أراد أنّه يدلّ على قصد الحكاية دلالة تصوّريّة ، أي ينقش في ذهن السامع تصوّراً صورة مفهوم ( قصد الحكاية ) فهذا بديهيّ البطلان ؛ إذ معنى ذلك كون « زيد عالم » مرادفاً لقصد الحكاية ، وهذا واضح البطلان ، وإن أراد - وهو صريح كلامه - أنّه يدلّ على قصد الحكاية دلالة تصديقيّة ، بمعنى الكشف عن قصد نفسانيّ جزئيّ في نفس المتكلّم ، فهذه الدلالة مسلّمة ، والمشهور لا ينكرونها ، إلّاأ نّها ليست بالوضع ، بل بقرائن حاليّة كما أشرنا إلى ذلك ، وسيأتي - إن شاء اللَّه - في تنبيه تبعيّة الدلالة للإرادة . والبرهان على عدم كونها بالوضع : أنّنا بيّنّا في بحث الوضع : أنّ مبنى السيّد الأستاذ وهو كون الوضع عبارة عن التعهّد غير صحيح ، وأنّ من ثمرات الخلاف في حقيقة الوضع : أنّ الدلالة الوضعيّة على مبنى التعهّد تصديقيّة ، وعلى سائر المباني تصوّريّة ، ولا يمكن أن تكون تصديقيّة .
وأمّا الإشكال الثاني : فهو أنّ الوجدان يشهد بأنّ جملة « زيد عالم » ينبغي أن يكون لها سنخ معنىً واحد محفوظ في تمام موارد استعمالاتها ، وهذا الشيء ثابت بناءً على رأي المشهور من كون هذه الجملة موضوعة للنسبة التامّة . فنقول : إنّ « زيد عالم » تفيد بالدلالة التصوّريّة النسبة التصادقيّة ، وهذه النسبة في مرحلة الدلالة التصديقيّة تارة تُحكى كما في قولنا : « زيد عالم » وأخرى يستفهم عنها كما إذا دخلت عليها أداة الاستفهام ، فقلنا : « هل زيد عالم ؟ » وثالثة يتمنّى كما في قولنا :
« ليت زيداً عالم » ورابعة يترجّى كما في قولنا : « لعلّ زيداً عالم » وما إلى ذلك .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 176
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٦