خاطبت أحدا أعلم منه بالشعر ، وكان يوقّع بيده في جميع ما يحتاج إليه . ولما عزل في وزارته الثانية وولي ابن الفرات ، لم يقنع المحسّن بن [ أبي الحسن بن ] « 1 » الفرات إلا بإخراجه عن بغداد ، فتوجّه إلى مكّة وأقام بها مهاجرا . وقال في نكبته :
[ من الطويل ]
ومن يك عني سائلا لشماتة * لما نالني « 2 » أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرّة * صبورا على أهوال « 3 » تلك الزلازل
إذا سرّ لم يبطر وليس لنكبة * إذا نزلت بالخاشع المتضائل /
ولما حبس « 4 » كان يلبس ثوبه ويتوضّأ للصلاة ، ويقوم ليخرج لصلاة الجمعة فيرده المتوكّلون ، فيرفع يده إلى السماء ويقول : اللهمّ اشهد لي أنني أريد طاعتك ويمنعني هؤلاء . وأشار على المقتدر أن يقف العقار ببغداد على الحرمين والثغور ، وغلّتها ثلاثة عشر ألف دينار في كل شهر ، والضّياع الموروثة بالسّواد ، وغلّتها نيّف وثمانون ألف دينار ، ففعل ذلك وأشهد على نفسه [ الشهود ] « 5 » ، وأفرد لهذه الوقوف ديوانا وسمّاه ديوان البرّ . وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها نعمة عن أحد .
وأحصي له أيام وزارته نيّف وثلاثون ألف توقيع من الكلام السّديد ، ولم يقتل أحدا ، ولا سعى في دمه . وكان على خاتمه : [ من المجتث ]
للّه صنع خفيّ * في كلّ أمر يخاف
وعزّى ولدي القاضي أبي الحسن عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف ، فلما أراد الانصراف قال : « مصيبة قد وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدّى شكرها » . وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم .
هامش
( 1 ) الزيادة من معجم ياقوت .
( 2 ) ياقوت وسير النبلاء : نابني ، وفي تاريخ بغداد جاء صدر البيت :فمن كان عني سائلا بشماتة. ( 3 ) نفسه : أحوال .
( 4 ) معجم ياقوت : جلس .
( 5 ) زيادة من ياقوت .