كيف قرن بين لفظ فاعل بفعول وأحدهما يراد به المبالغة دون الآخر ؟ فقلت :
نعم اللّه تعالى على عباده كثيرة فكل شكر يأتي في مقابلتها قليل ، وكل كفر يأتي في مقابلتها عظيم ، فجاء بلفظ فاعل ليس للمبالغة ، وجاء كفور على وزن فعول للمبالغة ، فتهلّل وجهه . فقلت : هذه ساعة تليق أن أخاطبه في أمر القزويني ، فلما خاطبته قال : يحكم القاضي ، فقلت : إن حكمت بشيء يسير نسبني إلى ضعف النفس وصغر الهمّة ، فقلت : تسقط عنه مائة ألف درهم ، فقال الصاحب : والعلاوة أيضا . وكان قبل اتصاله بالصاحب على حظّه من الفقه ، وكان له زوجة وولد ، وابتاع ليلة من الليالي دهنا ليداوي به جربا كان عليه ، فلما أظلم الليل تفكّر هل يطلي الجرب أو يشعل به السراج ولا تفوته مطالعة الكتب ، فرجح عنده الإشعال للمطالعة ، فما بعد أن أرسل الصاحب وراءه وولّاه القضاء فملك الأموال . وكان موصوفا بقلّة الرعاية للحقوق ، فأول ذلك أنه كان يكتب للصاحب على عنوان كتبه : « عبده وصنيعه وغرسه عبد الجبار » فلما رأى منزلته منه ومعرفته لحقه وإقباله عليه كتب : « عبده وصنيعه ثم كتب غرسه » ، / فقال الصاحب لجلسائه : إن تطاول مقام القاضي عندنا عنون كتبه إلينا الجبار وترك ما سواه من اسمه . ولما مات الصاحب كان يقول : أنا لا أترحّم عليه لأنه لم يظهر توبته فطعن الناس عليه بذلك ومقتوه مع كثرة إحسان الصاحب إليه . وكان عاقبة ذلك أن قبض فخر الدولة عليه بعد موت الصاحب وصادره على ثلاثة آلاف ألف درهم وعزله عن قضاء الري وولّى مكانه القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني العلّامة صاحب التصانيف التي منها « الوساطة » « 1 » ، ويقال إن عبد الجبار باع في مصادرته ألف طيلسان مصري .
هامش
( 1 ) « الوساطة بين المتنبي وخصومه » ، حقّقه علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم ( القاهرة 1945 ) .