تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
القضاة بالرّيّ وأعمالها بعد امتناع منه وإباء وإلحاح من الصاحب بن عبّاد . وهو صاحب التصانيف المشهورة في الاعتزال ، وتفسير القرآن ، وكان مع ذلك شافعيّ المذهب . وكان الصاحب قد أنفذ إلى أستاذه أبي عبد اللّه البصري يسأله إنفاذ رجل يدعو الناس بعمله وعلمه إلى مذهبه ، فأنفذ إليه أبا إسحاق النّصيبي ، وكان حسن اللّفظ والحفظ ، فلم ينفق على الصاحب لشراسة أخلاقه ، واحتشم الصاحب أن يجزيه بما يكره ، فأكل معه يوما وأكثر من أكل الجبن ، فقال له الصاحب : لا تكثر من أكل الجبن فإنه يضرّ الذكاء ، فقال النصيبي : لا تطبّب الناس على مائدتك ، فساءت هذه الكلمة الصاحب ، فبعث إليه بخمس مائة دينار وثياب ورحل وأمره بالانصراف عنه . وكتب إلى أبي عبد اللّه البصري : أريد أن تبعث لي رجلا يدعو الناس بعقله أكثر مما يدعوهم بعلمه وعمله ، فأنفذ إليه عبد الجبار فرأى منه جبل علم وأخلاقا مهذّبة فنفق عليه . ودرّس يوما القاضي عبد الجبار مسألة في بعض الأيام فقال : تقوّم عليّ هذه المسألة بمائة وثلاثين ألف درهم ، فسأله التلامذة عن ذلك فقال : كان يلازمني حدث من أهل قزوين لم يكن له رغبة في العلم ، فعلمت أن ملازمته لي رغبة في جاهي ، فاتّفق أن توجّهت عليه مطالبة تتعلق بدار الضرب بقزوين / فقرّر عليه مائة وثلاثون ألف درهم ، فقصدني وشكا إليّ فما ظهرت له نصيحتي ، فحضرت مجلس الصاحب فسألني عن هذه المسألة وهي قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » هل في النّصارى من يقول أن مريم إله ؟ فقلت : هذا على سبيل الإلزام يلزمهم بمقتضى قولهم في عيسى أن يقولوه في مريم . وسألني عن قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 2 »
هامش
( 1 ) الآية 116 سورة المائدة . ( 2 ) الآية 3 سورة الإنسان .