تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار الآيات — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وقوله تعالى : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ تنبيه على أنهم لو عرفوا أنفسهم لعرفوا اللَّه فلما جهلوا دل جهلهم إياه على جهلهم أنفسهم . ( 8 ) قاعدة في الإشارة إلى قوى الأشياء التي جمعت في الإنسان قد جمع اللَّه فيه قوى العالم وأوجده بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه قال تعالى تنبيها على ذلك « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ فإنه تعالى أوجد فيه بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوناته فالإنسان من حيث إنه جمع فيه جميع ما وجد في العالم من أقسام الجواهر والأعراض والبسائط والمركبات والأرواح والأجسام هو العالم ومن حيث إنه صغر شكله وجمع فيه قوى العالم فهو كالمختصر من الكتاب والنسخة الموجزة المنتخبة منه لأن المختصر الموجز من الكتاب هو الذي قلل لفظه واستوفى معناه والإنسان هو هكذا إذا قابلناه مع العالم ومن حيث إنه صفوة العالم ولبابه وخلاصته وثمرته فهو كالزبد من المخيض والدهن من السمسم والزيت من الزيتونة ومعرفة اللَّه فيه إذا حصلت فكنور المصباح إذا اشتعل الزيت قال تعالى : « مَثَلُ نُورِه ِ أي في قلب المؤمن كما في قراءة ابن مسعود « كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الآية فالمشكاة البدن والزجاجة الروح الحيواني التي هي بمنزلة المرآة لصفائها وقبولها لصور المحسوسات التي هي عكوس الصور الحقيقية وأشباحها المثالية والزيت القوة القدسية التي هي أفضل ضروب العقل الهيولاني وهو أول درجة النفس الناطقة وآخر درجة النفس الحساسة وهو بعينه القوة الخيالية عندنا لأنها أيضا مجرد عن البدن موجودة لا في عالم الطبيعة بل فيما فوق هذا العالم والشجرة المباركة هي القوة الفكرية التي هي أفضل ضرب من القوة الخيالية لأنها إذا قويت تصير متفكرة .