تعلمت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب حمايته على أهله ومن الغراب بكوره في حاجته ولا يبعد أن يكون قوله تعالى : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ الآية تنبيها للإنسان على التعلم والاقتداء بالنحل في مراعاته لوحي اللَّه تعالى فكما أنها لا يتخطى وحي اللَّه في مجرى المصالح طبعا كذا يجب على الإنسان أن لا يتخطى وحي اللَّه اختيارا .
( 5 ) قاعدة في خلقة الإنسان وأنه الثمرة العليا واللباب الأصفى والغاية القصوى من وجود سائر الأكوان
والكلام هاهنا في مادة وجوده وسيجئ الكلام في صورة وجوده .
اعلم أن الطبيعة ما لم توف بالمادة جميع درجات النوع الأخس لم يتجاوز بها إلى النوع الأشرف وقد حقق بالبرهان أن الموجود الأشرف يجب أن يندرج فيه جميع المعاني المتحققة في الموجود الأخس على وجه أعلى وألطف وقد أشرنا آنفا إلى أن العناصر إذا امتزج بعضها ببعض وخرجت بسبب اعتدال كيفياتها عن صرافة تضادها وتعصيها عن قبول الفيض الإلهي تصير قابلة لأثر من آثار الحياة فأول ما قبلته من إفاضة اللَّه هي صورة حافظة لتركيبها مبقية لوجودها بإذن اللَّه تعالى ثم إذا حصل لها امتزاج أتم واعتدال أفضل وأقرب إلى الوحدة الجامعة قبلت أثرا آخر من آثار الحياة أشرف وهي النفس النباتية التي شأنها التغذية والتنمية والتوليد للمثل وإذا امتزجت امتزاجا أكثر اعتدالا وأرفع قدما من التسفل والتضاد والتفرقة وأقرب مقاما إلى عالم الصفاء والنور تهيأت لقبول أصل الحياة بعد أن يستوفي درجات الجماد والنبات بفيضان النفس الحيوانية الحساسة المتحركة بالإرادة وإذا لطفت المادة العنصرية جدا حتى تشبه الجرم الفلكي صار محل استواء الروح النطقي الإضافي الذي من اللَّه مشرقه وإلى اللَّه مغربه ففي الإنسان شيء كالفلك وشئ كالملك وبهما جميعا يصلح عمارة الدارين ويستحق خلافة اللَّه أولا في العالم الأسفل
أسرار الآيات — صفحة 126
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٢٦