تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
قالوا : « إلى طعام الأمير » ، فدخل ، فتغدّى ، وقال : « أكلّ يوم يصنع الأمير ما أرى ؟ » فقيل : « نعم » . وكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل ، وهو عربي غريب لا يدري ما هو ، فأخّر لذلك طعامه ، فجاء ابن القرّيّة فلم ير العامل يتغدّى ، فقال : « ما بال الأمير لا يأكل ولا يطعم ؟ » فقالوا : « اغتمّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو » ، قال : « ليقرئني الأمير الكتاب ، فأنا أفسّره إن شاء اللّه تعالى » . وكان خطيبا لسنا بليغا ، فذكر ذلك للوالي ، فدعا به ، فلما قرئ الكتاب عليه عرف الكلام وفسّره للوالي حتى عرف جميع ما فيه ، فقال له : « أفتقدر على جوابه ؟ » قال : « لست أقرأ ولا أكتب ، ولكن ادع كاتبا يكتب ما أمليه » ، ففعل ، فكتب جواب الكتاب ، فلما قرئ الكتاب على الحجاج ، رأى كلاما عربيّا غريبا ، فعلم أنه ليس من كلام كاتب العامل ولا كتاب الخراج ، فدعا برسائل عين التمر ، فنظر فيها ، فرآها ليست ككتاب ابن القرّيّة ، فكتب الحجاج إلى العامل : « أما بعد ، فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك بمنطق غيرك ، فإذا نظرت إلى كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث بالرجل الذي صدّر لك الكتاب ، والسلام » . فقرأ العامل الكتاب على ابن القرّيّة ، وقال له : « تتوجه نحوه » ، قال : « أقلني » ، قال : « لا بأس عليك » ، وأمر له بكسوة ونفقة ، وحمله إلى الحجاج ، فلما دخل عليه ، قال : « ما اسمك ؟ » قال : أيوب » قال : « اسم نبيّ » ؛ وقال : « أظنك أمّيّا تحاول البلاغة ولا تستصعب عليك مقالها » . وأمر له بنزل ومنزل ، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن مروان . فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان ، بعثه الحجاج إليه ، فلما دخل عليه قال له : « لتقومنّ خطيبا ولتخلعنّ عبد الملك ولتسبّنّ الحجاج ، أو لأضربنّ عنقك » قال : « أيها الأمير ، إنما أنا رسول » ، قال : « هو ما أقول لك » ، فقام وخطب وخلع عبد الملك
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 40 | خليل الصفدي / هلموت ريتر