تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
مولودا ، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا . وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه ، وآكد وصله بالدين وعلائقه ، وهو صليب الصلبوت ، وقائد أهل الجبروت ، ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه ، وكان مد اليدين في هذه الدفعة « 1 » وداعه ، لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم ، ويجتمع في ظل ضلاله خشاشهم ، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه ، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشد عهد وأوثقه ، ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه ، وفي هذا اليوم أسرت سراتهم ، ودهيت دهاتهم ، ولم يفلت منهم معروف إلا القومص ، وكان لعنه اللّه مليّا يوم الظفر بالقتال ، ومليا يوم الخذلان بالاحتيال ، فنجا ولكن كيف ، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف ، ثم أخذه اللّه تعالى بعد أيام بيده ، وأهلكه لموعده ، فكان لعدتهم فذلك « 2 » ، وانتقل من ملك الموت إلى مالك . وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا ، البيضاء صنعا ، الخافقة هي وقلوب أعدائها ، الغالبة هي وعزائم أوليائها ، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر ، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر ، فافتتح بلاد كذا وكذا ، وهذه كلها أمصار ومدن ، وقد تسمى البلاد بلادا وهي مزارع وفدن ، كل هذه ذوات معاقل ومعاقر ، وبحار وجزائر ، وجوامع ومنابر ، وجموع وعساكر ، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها ، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها ، ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا ، ويحط من جوامعها صلبا ويرفع أذانا ، ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد ، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال عن دين اللّه مقاعد ، ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يعلق النصر منه ومن عسكره بجارّ ومجرور ، وأن يظفر بكل سور ، ما كان يخاف زلزاله ولا زياله إلى يوم النفخ في الصور . ولما لم يبق إلا القدس وقد اجتمع إليه كل طريد منهم وشريد ، واعتصم
هامش
( 1 ) س : الوقعة . ( 2 ) س : فكان من عدتهم لذلك .