على سره الخفي غيره ، ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير ، ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته وجميل سفارته « 1 » .
وأنشدني كثيرا من شعره ، فمن ذلك ما كتبه إلى بعض أصحابه وكان قد غرقت به سفينة فسلم بنفسه وذهب ما كان معه « 2 » :
لا تعتب الدهر في خطب رماك به * إن استردّ فقدما طالما وهبا
حاسب زمانك في حالي تصرّفه * تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا
واللّه قد جعل الأيام دائرة * فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا
ورأس مالك وهي الروح قد سلمت * لا تأسفنّ لشيء بعدها ذهبا
ما كنت أول مفدوح بحادثة * كذا مضى الدهر لا بدعا ولا عجبا
وربّ مال نما من بعد مرزئة * أما ترى الشمع بعد القطّ ملتهبا
وأنشدني المذكور ، وكتب بها لفخر الدين ابن قاضي داريّا يشكو إليه سوء أدب غلمانه « 3 » :
سواك الذي ودّي لديه مضيّع * وغيرك من سعيي إليه محبّب
وو اللّه ما آتيك إلا محبّة * وأنّي في أهل الفضيلة أرغب
أبثّ لك الذكر الذي طاب نشره * وأطري بما أثني عليك وأطرب
فما لي ألقى دون بابك جفوة * لغيرك تعزى ، لا إليك ، وتنسب
أردّ بردّ الباب إن جئت زائرا * فيا ليت شعري أين أهل ومرحب
ولست بأوقات الزيارة جاهلا * ولا أنا ممّن قربه يتجنّب
وقد جعلوا في خادم المرء أنه * بما كان من أخلاقه يتهذب
هامش
( 1 ) م : فلما وصلت إليه واجتمعت به بعد قدومه رأيته كامل الأدوات كبير المنزلة عند مخدومه وكان لا يتوسط إلا في الخير ؛ ( هذا نموذج للايجاز الذي تمثله هذه النسخة ) .
( 2 ) ديوانه : 17 .
( 3 ) ديوانه : 26 .