فقال الأحوص :
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه * فمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذنب ثم يردّني * يد لأدانيه مباركة عندي
ولما رأى تحامل ابن حزم عليه امتدح الوليد ، ثم شخص إلى الشّام يمدحه ؛ فدخل عليه ، فأنشده ؛ فلما بلغ إلى هذين البيتين :
لا ترثين لحزميّ رأيت به * ضرّا ولو ألقي الحزمي في النّار
النّاخسين « 1 » بمروان بذي خشب * والدّاخلين « 2 » على عثمان بالدّار
فقال الوليد : صدقت ؛ واللّه لقد أغفلنا ابن حزم ؛ ثم دعا كاتبه ، وقال : اكتب عهد عثمان بن حيّان المرّي على المدينة ، واعزل ابن حزم ، واكتب إليه أن يستصفي أموال ابن حزم ، وأن يسقطوا من الدّيوان ، ولابن حزم قضايا كثيرة .
أخبرني عبد اللّه بن الحسن ، عن النّميري ، عن عبد الوهّاب الثّقفي ، عن يحيى بن سعيد ؛ قال : جلد أبو بكر بن حزم ، إذ كان قاضيا على المدينة ، عبدا قذف حرّة ، أو حرّا ، ثمانين « 3 » ، فبلغني أنّ عبد اللّه بن عامر بن ربيعة حين بلغه ذلك قال : أدركت النّاس من زمان عمر إلى اليوم ، فما رأيت أحدا جلد فيه إلا أربعين ( قبل أبي بكر ) .
قال : وحدّثنا القعنبي ؛ قال : حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، أنه بلغه أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قتل مسلما بذمّي « 4 » قتله غيلة .
حدّثني الأحوص بن المفضّل بن غسّان ؛ قال : حدّثني أبي ؛ قال : حدّثني محمّد بن عمر ؛ قال : أخبرني عبد الرحمن بن يزيد بن غفيلة ، وابن أبي سبرة ، وعبد اللّه بن جعفر : أنهم
هامش
( 1 ) يشير إلى قصة بني أمية ، وقد اجتمع أهل المدينة لإخراجهم منها عندما خلع ابن الزبير بيعة يزيد ، كما حاولوا إخراجهم من الطائف ، فمضوا إلى ذي خشب ؛ وأتبعهم العبيد والصبيان والسفلة يرمونهم ، وأقامت بنو أمية بذي خشب عشرة أيام ، فأرسلوا ليزيد بن معاوية يستنجدون به ، وبلغ أهل المدينة ما فعل بنو أمية ، فخرج محمد بن عمرو بن حزم ، وجماعة ؛ فأزعجوا بني أمية منها ، فنخس حريث أحد الجماعة بمروان ، فكاد يسقط عن ناقته ؛ فذلك قول الأحوص : الناخسين بمروان بذي خشب ، وكان بعد ذلك من قصة الحرّة ما كان .
( 2 ) رواية الأغاني والمقحمين على عثمان في الدار .
( 3 ) جلد العبد ( إذا قذف حرّا ) ثمانين هو مذهب الأوزاعي ، وروى ليث بن أبي سليم ، عن القاسم بن عبد الرحمن ؛ أن عبد اللّه بن مسعود قال - في عبد قذف حرا - : أنه يجلد ثمانين ، وكذلك رواه أبو الزناد ، عن عمر بن عبد العزيز . وجلده أربعين هو مذهب عامة الفقهاء .
والعبارة المذكورة في الأصل رواها أبو بكر الرازي في أحكام القرآن ، والبيهقي في السنن . وفعل ابن حزم رواه ابن قدامة في المغني ، وقال : وقد عيب عليه .
( 4 ) قتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة هو مذهب مالك ، والليث بن سعد ؛ ولم يفصل الشافعي بل منع قتل المسلم بالذمي مطلقا ، وجوّزه أبو حنيفة مطلعا .